الإيجابيات والسلبيات في كتاب الجاحظ: البيان والتبيين

الإيجابيات والسلبيات في كتاب الجاحظ: البيان والتبيين

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله وصلى الله وسلم على رسوله وبعد:
فهذه أبرز ما رأيته من الإيجابيات والسلبيات في كتاب الجاحظ: البيان والتبيين, وقبل ذلك أُعرف بالجاحظ وعقيدته:
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: الْجَاحِظُ الْمُتَكَلِّمُ الْمُعْتَزِلِيُّ, وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الْفِرْقَةُ الْجَاحِظِيَّةُ مِنْهُمْ، وَهُوَ أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ بَحْرِ بْنِ مَحْبُوبٍ الْكِنَانِيُّ اللَّيْثِيُّ الْبَصْرِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالْجَاحِظِ ; لِجُحُوظِ عَيْنَيْهِ، وَيُقَالُ لَهُ: الْحَدَقِيُّ. وَكَانَ شَنِيعَ الْمَنْظَرِ سَيِّئَ الْمَخْبَرِ رَدِيءَ الِاعْتِقَادِ يُنْسَبُ إِلَى الْبِدْعَةِ، وَرُبَّمَا جَاوَزَ بِهِ بَعْضُهُمْ إِلَى الِانْحِلَالِ حَتَّى يُقَالَ فِي الْمَثَلِ: يَا وَيْحَ مَنْ كَفَّرَهُ الْجَاحِظُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ. البداية والنهاية 14/ 514
وكذلك ذكر بن خلكان في وفيات الأعيان 3/ 470 أن الجاحظ إليه تنتسب الفرقة المعروفة بالجاحظية من المعتزلة، وكان تلميذ أبي إسحاق إبراهيم بن سيار البلخي المعروف بالنظام المتكلم المشهور..
والنظَّام هو رأس المعتزلة ومُنظرها.
وقال الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء 22/ 135- 139: الجَاحِظُ أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بنُ بَحْرٍ العَلاَّمَةُ، المُتَبَحِّرُ، ذُوْ الفُنُوْنَ، أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بنُ بَحْرِ بنِ مَحْبُوْبٍ البَصْرِيُّ، المُعْتَزِلِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ.
أَخَذَ عَنِ: النَّظَّامِ… وَكَانَ أَحَدَ الأَذْكِيَاءِ .
قَالَ ثَعلَبُ: مَا هُوَ بِثِقَةٍ.
قُلْتُ: كَانَ مِنْ بُحُوْرِ العِلْمِ، وَتَصَانِيْفُه كَثِيْرَةٌ جِدّاً, وكَانَ مَاجِناً، قَلِيْلَ الدِّيْنِ، لَهُ نَوَادِرُ..
قِيْلَ: لَمْ يَقَعْ بِيَدِهِ كِتَابٌ قَطُّ إِلاَّ اسْتَوفَى قِرَاءتَه، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَكتَرِي دَكَاكِيْنَ الكُتْبِيِّيْنَ، وَيَبِيتُ فِيْهَا لِلْمُطَالَعَةِ، وَكَانَ بَاقِعَةً فِي قُوَّةِ الحِفْظِ…
قُلْتُ: كَفَانَا الجَاحِظُ المَؤُونَةَ، فَمَا رَوَى مِنَ الحَدِيْثِ إِلاَّ النَّزْرَ اليَسِيْرَ، وَلاَ هُوَ بِمُتَّهَمٍ فِي الحَدِيْثِ، بَلَى فِي النَّفْسِ مِنْ حِكَايَاتِهِ وَلَهْجَتِهِ، فَرُبَّمَا جَازَفَ، وَتَلَطُّخُهُ بِغَيْرِ بِدْعَةٍ أَمْرٌ وَاضِحٌ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَارِيٌّ عَلاَّمَةٌ، صَاحِبُ فُنُوْنٍ وَأَدَبٍ بَاهِرٍ، وَذَكَاءٍ بَيِّنٍ – عَفَا اللهُ عَنْهُ -. ا.هـ
واتهمه اذهبي بأنه يتعمد الكذب حيث قال: يَظْهَرُ مِنْ شَمَائِلِ الجَاحِظِ أَنَّهُ يَخْتَلِقُ..

وقد توفي نحو 255 هـ, ولُقِّبَ بذلك لجُحُوظ عَيْنيْه . أديبٌ بارعٌ ، وعالمٌ متكلِّم، وُلِدَ بالبَصْرَةِ ودَرَسَ مَذْهَبَ المُعْتَزِلةِ على شُيُوخهم بها وبَرَع فيه حتى صَارَ منهم ، وتَبِعتْهُ فِرقةٌ تُدْعَى ” الجَاحِظِيّة ” . وحَظِيَ بمَنْزِلَةٍ عند المَأمُون ، ثُمّ عند خَلِيفَتيْهِ: المُعْتَصِمِ والواثِقِ ، ووزِيرِهِما محمد بن عبد الملك الزَّيَّات.
***
وكتاب البيان والتبيين يدور حول الخطابة والبلاغة والبيان والشعر والوصايا والمحاورات والنساك والقصاص والوعَّاض من أمثال الحسن البصري.
وهدفه من ذلك حفظ التراث العربي للأجيال القادمة, وتقوية لغتهم, وتقويمُ لسانهم, والارتقاءُ في بلاغتهم, والسموُّ في كتاباتهم وخُطبهم.
وجاء في كتاب: بحوث في اللغة لاتحاد كتاب العرب ص 71 : ومن المؤكد في نظرنا أن الجاحظ قد وضع كتابه الجامع (البيان والتبيين) لكي يكون تثقيفاً للسان العربي، وإبعاده عن عيوب النطق من الحصر والعي وغيرهما، بالإضافة إلى منع تسرب الفساد الطارئ بحكم التفاعلات اللغوية الدخيلة. ا.هـ

وكتابه يَغصُّ بالفوائد الجمَّة, والمميزات الكثيرة, ومع ذلك ففيه سلبيَّاتٌ محدودة, والكمال لله وحده, وخلال قراءتي له دونت أبرز الإيجابيات والسلبيات.
tمن أبرز الإيجابيات في هذا الكتاب ما يلي:
1- قُرْب عهده بفصحاء العرب, وكبار اللغويين والأدباء, وعنده علوّ السند, فهو يروي عن الأصمعي مباشرة.
يُعتبر كتابه المرجع الأساسي في الأدب وأشعار العرب, ومَن جاء بعده فهم عيالٌ عليه, والكثير منهم ينقل عنه ويُحيل إليه, فهو من أهم مراجع الأدب, وأحوال العرب, والأشعار والخطب.
قال ابن خلدون رحمه الله في تاريخه 1/553: وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين وهي: أدب الكتاب لابن قتيبة, وكتاب الكامل للمبرد, وكتاب البيان والتبيين للجاحظ, وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي, وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها.
وقال الصفدي في نصرة الثائر على المثل السائر ص 46 عن الجاحظ: وهو من أحذق أئمة الأدب، وأعرفهم بما يقول، وأبصرهم بمدارك العقول، وقوله في مثل هذا حجة، وما قرره في الأبيات هو المحجة.
وما أحسن قول القاضي الفاضل: وأما الجاحظ رحمه الله فما منا معاشر الكتاب إلا من دخل من كتبه الحارة، وشن الغارة، وخرج وعلى الكتف منها كاره.
وقد أولع الفاضل رحمه الله بذكره في ترسله، وذكر تصانيفه، ولو لم يكن له في كتب الأدب إلا كتاب البيان والتبيين لكفاه ذلك فخرا. ويقال: مما فضل الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم على غيرها من الأمم، عمر بن الخطاب رضي الله عنه بسياسته، والحسن البصري بعلمه، والجاحظ ببيانه. ا.هـ

3- تبحُّره وسعة اطلاعه في علم الأدب والشعر, وإحاطته لعلم البيان والخطابة وفنون اللغة.
4- قوة ألفاظه وفصاحتها, وجزالة عباراته.
فخُذ مثالين على ذلك: 1- قال في مقدمة الجزء الثاني ص 239: ولكنا أحببنا أن نصدر هذا الجزء بكلام من كلام رسول رب العالمين, والسلف المتقدمين, والجلة من التابعين, الذين كانوا مصابيح الظلام, وقادة هذا الأنام, وملح الأرض, وحُلى الدنيا, والنجوم التي لا يضل معها الساري, والمنار الذي إليه يرجع الباغي, والحزب الذي كثر الله به القليل, وأعز به الذليل, وزاد الكثير في عدده, والعزيز في ارتفاع قدره, وهم الذين جلوا بكلامهم الأبصار العليلة, وشحذوا بمنطقهم الأذهان الكليلة, فنبهوا القلوب من رقدتها, ونقلوها من سوء عادتها, وشفوها من داء القسوة, وغباوة الغفلة, وداووا من العِيِّ الفاضح, ونهجوا الطريق الواضح..
2- قال في مقدمة الجزء الثالث ص 413: ونبدأ على اسم الله تعالى بذكر مذهب الشعوبية, ومن يتحلى باسم التسوية, وبمطاعنهم على خطباء العرب بأخذ المخصرة عند مناقلة الكلام, ومساجلة الخصوم بالموزون والمقفَّى, والمنثور الذي لم يُقفَّ, وبالأرجاز عند المَتْح, وعند مجاثاة الخصم, وساعة المشاولة, وفي نفس المجادلة والمحاولة, وكذلك الأسجاع عند المنافرة والمفاخرة, واستعمال المنثور في خطب الحمالة, وفي مقامات الصلح وسل السخيمة, والقول عند المعاقرة والمعاهدة..
إلى غير ذلك من عباراته القوية, وألفاظه العربية الفصيحة.
***
وأما أبرز السلبيَّات فيه فهو كما يلي:
1- أنه حاطب ليل بالنسبة للآثار والأحاديث, فما أكثر الأحاديث الموضوعة والضعيفة, وعنده أوهامٌ كثيرة في نسبة الأقوال إلى قائلها.
فمثلا: ذكر في ص 478/3 أنَّ عمر بن عبد العزيز رحمه الله سئل عن قَتَلة عثمان وخاذليه وناصريه, فقال: تلك دماءٌ كفَّ الله يدي عنها فأنا أحب ألا أغمس لساني فيها..
والصحيح أنه قال ذلك عندما سُئل عن قتال الصحابة في موقعة الجمل وصفين.

2- ينقل كلامًا فيه قدحٌ وتنقُّصٌ في بعض الصحابة الكرام عليهم الرحمة والرضوان, وهي لا تصح قطعاً.
فمن ذلك ما ذكره في ص 275/2 : وقال ابن الكلبي: كتب معاوية إلى قيس بن سعد: أما بعد فإنك يهوديٌّ ابن يهوديٍّ.. وكان أبوك وتَّر قوسه, ورمى غير غرضه, فأكثر الحز, وأخطأ المِفصل, فخذله قومه, وأدركه يومه, ثم مات طريدا بحوران, والسلام.
فكتب إليه قيس بن سعد: أما بعد, فإنما أنت وثن ابن وثن, دخلت في الإسلام كَرها, وخرجت منه طوعا, لم يَقدم إيمانك, ولم يحدث نفاقك.. ونحن أنصار الدين, الذي خرجت منه, وأعداء الدين الذي دخلت فيه, والسلام. ا.هـ
فكيف يُلوث كتابه بهذه الترهات المشينة, ويُعكر صفوه بهذه الحكايات السقيمة؟؟.

3- يُكثر من التكرار والإعادة, فقد يذكر قصة أو أبياتاً أكثر من ثلاث مرات في مواضع متفرقة.
فقد كرر مقولة مالك بن دينار رحمه الله ثلاث مرات, وهي أنه رحمه الله قال: ربما سمعت الحجاج يخطب ويذكر ما صنع به أهلُ العراق, وما صَنع بهم, فيقع في نفسي أنهم يظلمونه, وأنه صادقٌ لبيانه وحسن تخلصه بالحجج.
4- عدمُ ترتيبه وتنظيمه, فيُدخل في الباب ما ليس منه, ويذكر أشياء في موضوعٍ معين, ثم يُعنون لها باباً بعد ذلك.
فمن ذلك ما ذكره في ص 331/2 عن لحن الوليد بن عبد الملك والمواقف التي تثبت ذلك, ثم عقد باباً بعده مباشرة ص 333, فقال: باب اللحن!!.
ومن ذلك أيضا: أنه عقد في ص413/3, كتاباً سمَّاه كتاب العصا, فاسْتقصى القصص والأشعار التي تتعلق بالعصا, ثم تكلم من ص 417 حتى ص 426 عن أن الخطابة معروفةٌ عند جميع الأمم, ثم تكلم من ص 462 حتى ص 471 عن العمامة والنعلين.. حيث قال بعد ذلك: رجع الكلام إلى القول في العصا!! , وهكذا يشتت ذهن القارئ, ويجعل من الصعوبة والمشقة اتْقان الكتاب واسْتحضاره بعد ذلك.
وقد قال أبو هلال العسكري في مُقدِّمة كتابه: الصناعتين عند ذكره لهذا الكتاب: وهو لعمري كثير الفوائد، جمّ المنافع، لما اشتمل عليه من الفصول الشريفة، والفقر اللطيفة، والخطب الرائعة، والأخبار البارعة، وما حواه من أسماء الخطباء والبلغاء، وما نبّه عليه من مقاديرهم في البلاغة والخطابة، وغير ذلك من فنونه المختارة، ونعوته المستحسنة، إلا أنّ الإبانة عن حدود البلاغة، وأقسام البيان والفصاحة مبثوثة في تضاعيفه، ومنتشرةٌ في أثنائه، فهي ضالّة بين الأمثلة، لا توجد إلا بالتأمل الطويل، والتصفّح الكثير..

5- اسْتطرادُه في ذكر أشياء لا فائدة منها الْبتة, والإسْهاب في اسْتقصائها. فالحديث عن العصا وما قيل عنها من قريبٍ وبعيد اسْتغرق ما يُقارب 60 صفحة!!.
6- أنَّه أورد في كتابه من القصص والروايات والأشعار التي فيها فحشٌ وبذاءة.
وهذا ما عليه غيره من المؤلفين في هذا الجانب, وابن قتيبة على سلامة منهجه, وصفاء عقيدته, وعلوِّ مكانته ومنزلته, له في كتابه عيون الأخبار من هذا الشيء الكثير.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أحمد ناصر الطيار

2 تعليقان

  1. بدر محمد الطيار says:

    جزاك الله خيراً يا أبا عمر على هذا التحليل الرائع لهذا الكتاب الذي يُعدّ أصلاً من أصول الأدب ،،
    والعجيب أن الكتب الأربعة التي ذكرها ابن خلدون في مقدمته وعدّها من أصول الأدب كلها غير مرتّبة الفوائد ، ولا منظّمة الأبواب ، باستثناء كتاب أدب الكاتب لابن قتيبة ، فهو من أحسنها ترتيباً وتنظيماً ..
    شكراً لك على طرح هذا الموضوع ومناقشته ،،،

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

What is 8 + 9 ?
Please leave these two fields as-is:
فضلا.. أكتب ناتج العملية الحسابية.