[الاهتمام بالْمهمّ من العلم] يا طالب العلم

[الاهتمام بالْمهمّ من العلم] يا طالب العلم

احرص يا طالب العلم على المهم في العلم: القرآن, ثم العقيدة, ثم السنة وفقهها, وابدأ بالْمُختصرات من كلّ فنّ.
قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله: وقد كان الطلب في قطرنا بعد مرحلة الكتاتيب والأخذ بحفظ القرآن الكريم يمر بمراحل ثلاث لدى المشايخ في دروس المساجد: للمبتدئين، ثم المتوسطين، ثم المتمكنين:
ففي التوحيد: “ثلاثة الأصول وأدلتها”، و “القواعد الأربع”، ثم “كشف الشبهات”، ثم “كتاب التوحيد”؛ أربعتها للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، هذا في توحيد العبادة.
وفي توحيد الأسماء والصفات: “العقيدة الواسطيه”، ثم “الحموية”، و “التدمرية”؛ ثلاثتها لشيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى، ثم “الطحاوية” مع “شرحها”.
وفي النحو: “الأجرومية”، ثم “ملحة الإعراب” للحريري، ثم “قطر الندى” لابن هشام، وألفية ابن مالك مع شرحها لابن عقيل.
وفي الحديث: “الأربعين” للنووي، ثم “عمدة الأحكام” للمقدسي، ثم “بلوغ المرام” لابن حجر، و “المنتقى” للمجد بن تيمية؛ رحمهم الله تعالى، فالدخول في قراءة الأمّهات السِّتّ وغيرها.
وفي المصطلح: “نخبة الفكر” لابن حجر، ثم “ألفية العراقي” رحمه الله تعالى.
وفي الفقه مثلاً: “آداب المشي إلى الصلاة” للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ثم “زاد المستنقع” للحجاوي رحمه الله تعالى، أو “عمدة الفقه”، ثم “المقنع” للخلاف المذهبي، و “المغنى” للخلاف العالي؛ ثلاثتها لابن قدامه رحمه الله تعالى.
وفي أصول الفقه: “الورقات” للجويني رحمه الله تعالى، ثم “روضة الناظر” لابن قدامه رحمه الله تعالى.
وفي الفرائض: “الرحبية”، مع شروحها، و”الفوائد الجلية”.
وفي التفسير:”تفسير ابن كثير” رحمه الله تعالى.
وفي أصول التفسير:”المقدمة” لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وفي السيرة النبوية:”مختصرها” للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأصلُها لابن هشام، وفيه “زاد المعاد” لابن القيم رحمه الله تعالى.
وفي لسان العرب: العناية بأشعارها، وكـ”المعلقات السبع”، والقراءة في “القاموس” للفيروز آبادي رحمه الله تعالى.
… وهكذا من مراحل الطلب في الفنون. ا.ه حلية طالب العلم: 14
هذه هي المنهجيّة الصحيحة في التدرج, فكم ستُخرّج لنا طلابًا متمكّنين مُؤصّلين, يستطيعون- بمشيئة الله تعالى- باستيعابهم لهذه الكتب أنْ يُلْقوا المحاضرات النافعة, ويُدرّسوا العلوم المختلفة, ويخدموا أُمتهم ومُجتمعهم.
وكم ستغرس هذه الكتب في نُفوسِهم من الإيمان والسلوك والأخلاق.
بل كم سيجني طالب العلم من قراءة بعض التفاسير النافعة, والعناية بصحيح البخاري ومسلمٍ وشرحِهما؟
ومع ذلك فهما من أواخر ما يُفكر فيهما كثيرٌ من طلاب العلم!
والله إنه من العجب أنْ يُهْمل طالب العلم – الذي قد يكون أمضى سنوات على الطلب- فهم وتدبّر وتفسير أصح كتاب على وجه الأرض, الذي ما أُنزل إلا لذلك, وأنْ يُهْمل كذلك أصح كتابين بعد القرآن: البخاري ومسلم!
ولا تُغني كتب الأحكام عنهما, كبلوغ المرام والمحرر وغيرهما, فلن تجد فيها الفوائد والنفائس العقدية والسلوكية والأخلاقية والتربويّة واللغويّة , كما تجدها فيها.

وقد خالف في هذا كثيرٌ من طلاب العلم, حيث تخصّصوا وتوسّعوا – بدايةَ طلبهم للعلم- في علوم الآلة, كالنحو, والأدب, والبلاغة, والأصول, وعلوم القرآن, وأهلموا أصولَ العلم.
فماذا ستستفيد الأُمّةُ من تفريعات هذه العلوم! وهي على حساب العلوم الأخرى المهمة والنافعة لهم ولغيرهم في علمهم وعملهم؟
وعلومُ الآلةِ وسيلةٌ وليستْ غايةً, فجعلُها غايةً تُصرف الأعمارُ عليها لا ينبغي.
قال ابن الجوزي رحمه الله: “الموَفَّق مَن طلب المهم؛ فإن العمر يعجز عن تحصيل الكل”.
وقال: “أمّا العالم، فلا أقول له: اشْبع من العلم، ولا اقتصر على بعضه، بل أقول له: قدم المهم؛ فإن العاقل من قدر عمره، وعمل بمقضتاه”..
فإذا علم العاقل أنَّ العمر قصير، وأن العلم كثير، فقبيح بالعاقل الطالب لكمال الفضائل أن يتشاغل مثلًا بسماع الحديث ونسخه، ليحصل كل طريق وكل رواية وكل غريب، وهذا لا يفرغ من مقصوده منه في خمسين سنة، خصوصًا إن تشاغل بالنسخ، ثم لا يحفظ القرآن، أو يتشاغل بعلوم القرآن، ولا يعرف الحديث، أو بالخلاف في الفقه..
وقد عَلِمَ قِصَرَ العمر، وكثرة العِلْم: فيبتدئ بالقرآن وحفظه، وينظر في تفسيره نظرًا متوسطًا، لا يخفى عليه بذلك منه شيء، وإن صح له قراءة القراءات السبع، وأشياء من النحو، وكتب اللغة، وابتدأ بأصول الحديث من حيث النقل، كالصحاح والمسانيد والسنن، ومن حيث علم الحديث، كمعرفة الضعفاء والأسماء، فلينظر في أصول ذلك.
ولْينظر في التواريخ، ليعرف ما لا يستغنى عنه، كنسب الرسول صلى الله عليه وسلم وأقاربه به وأزواجه وما جرى له.
ثم لِيُقْبِلْ على الفقه، فلينظر في المذهب والخلاف..
ويتشاغل بأصول الفقه وبالفرائض.ا.ه صيد الخاطر: 205-206/ 402

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: “والذي يقضي منه العجب: أن المرء يوسع الكلام ويفرغ المسائل في الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام وفي الهجرة التي انقطعت بالفتح، وهذه هجرة عارضة، ربما لا تتعلق به في العمر أصلاً.
الهجرة الدائمة:
وأما هذه الهجرة التي هي واجبة على مدى الأنفاس فإنه لا يحصل فيها علما ولا إرادة وما ذاك إلا للإعراض عما خلق له، والاشتغال بما لا ينجيه وحده عما لا ينجيه غيره. وهذا حال من عشت بصيرته وضعفت معرفته بمراتب العلوم والأعمال”.  الرسالة التبوكية: 21

وصدق رحمه الله, فالذي ينبغي لطالب العلم أنْ يُوْلي أصول العلوم النافعة له ولغيره اهتمام كبيرًا, ويُقدمها على فضول العلم, والذي قد لا يستفيد هو منه في عمره ولا مرةً واحدة, كاختلاف البصريين والكوفيين في دقائق النحو, واختلاف الأصوليين في بعض فروع مسائلهم.

وأنا لا أُقَلِّلُ مِن شأنِ التخصص في بعض علوم الآلة, فلولا تخصّصُ أبي هريرة رضي الله عنه في الحديث, وسيبويه وابن مالك وهشام في النحو, والخليل في العروض والشعر واللغة, والجرجاني في البلاغة, وابن معين في الجرح والتعديل.. لولا تخصّص هؤلاء لخسرت الأُمّةُ علومًا كثيرة.
ولكنّ التخصّص يكون بعد اسْتيعاب الأصول.
وهؤلاء الأَئِمة لم يتخصّصوا في علمٍ واحدٍ فقط, بل عُرف عنهم من خلال تراجمهم وسيرهم أنهم درسوا وتعلّموا كثيرًا من العلوم الأخرى, ولكنّهم وجدوا أنفسهم تميل إلى علمٍ معيّن فتبحّروا فيه, وهذا هو المطلوب من طالب العلم.

ولو قارنّا بين صاحب القراءة الشموليّة وبين المتخصص بفنّ معيّن, لوجدنا الفرق كبيرًا.
فصاحب القراءة الشموليّة يستطيع تأليف أيّ كتابٍ, وبحث أي مسألة, بخلاف غيرِه.
صاحب القراءة الشموليّة يستطيع التصدّر للإفتاء والإجابة على أي سؤالٍ- إلا ما شاء الله- بخلاف غيرِه.
صاحب القراءة الشموليّة يُنتفع بكتبه وبحوثه؛ لأنه يهتمّ بما ينفع عموم الناس, بخلاف المتخصص بفنّ معيّن, فهو لا يُؤلف ولا يبحث – غالبًا- إلا في مجال تخصّصه, ويتناول دقائق المسائل التي لا ينتفع بها إلا بعض المتخصصين في علمِه.

واحرص في بداية الطلب على الفن الذي تجد نفسك تميل إليه, حتى تتدرب على القراءة, وتتعلق بها وتعشقها, فأمَّا إذا بدأت بالأصعب, أو الفن الذي تنجذب إليه, فربما أُصبت بالممل والسآمة, التي قد تصدّك عن العلم.
ولذلك قيل : “يجب على طالب العلم أن يبدأ فيه بالمهم ، وأن يختار من صنوفه ما هو أنشط له ، وطبعه به أغنى ، فإنَّ القبول على قدر النشاط ، والبلوغ على قدر العناية”. الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه: 49

والله تعالى أعلم.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

What is 6 + 9 ?
Please leave these two fields as-is:
فضلا.. أكتب ناتج العملية الحسابية.