الحلقة الثالثة من المجالس(التكلف في الألفاظ والسجع)

الحلقة الثالثة من المجالس(التكلف في الألفاظ والسجع)

الحلقة الثالثة

(التكلّف في الألفاظ والسجع)

(تنبيه: ما وضعتُه على لسان الشخصيات المجهولة النّوري وأبي الجواهر هي من صميم كلامي وآرائي).

قال النّوريّ: خرجتُ ذات مرة مع مولاي أبي المعالي بصحبة ابن رشيق ، وأبي هلال العسكري ، وابن سنان الخفاجي ، وأبي الجواهر الورّاق ، إلى روضة لم أرَ في حياتي مثلها ، القُدُوم إليها يَبعثُ السُّرور ، والنظرُ إليها يَشرح الصُدور ، وقد تَزيّنت بكل لونٍ فكأنها تقول أين الحضور ، فلما جلسنا وأخذ كلٌ منّا مجلسه من هذه الروضة ، ودار الغلام علينا بشراب العِنَب الأحمر الذي يُفتِّق العقلَ ، ويُنَشِّطُ القلبَ . تحدّث أبو المعالي عن الخُطباء والخُطب ، وكان مما قاله: في الجُمعة المُنْصرِمة غاب خطيبُنا ، فحضر خطيبٌ قيل لي أنه أفصح خطيب ، وأبلغ كاتبٍ وأديب ، وأعلمهم من اللغة بالغريب ، فلما بدأ خطبته انهالتْ علينا ألفاظه الغريبة ، وكلماتُه الوَحْشِيّة ، وكأنها صَواعقُ مُرْسَلَة ، أو نِبَالٌ مِنَ العَدُوّ مُطلقَة ، حتى هَمَمْتُ أن أضعَ أُصْبُعَيّ في أُذُنَيّ ، وأُغلِقَ كِلتا عَيْنيّ ، بل كاد يطير عقلي ، ويتفطّر قلبي ، ولم أَعِ ما يقول ، ولا أراه يتكلم بمعقول ، ولا أدري هل يتلكم بالعربية ، أم بالأعجمية .. وقد ابتُلينا بسجعه الذي تَنْقَطِعُ دونه الأنفاس ، وكأنه والله ضربٌ من الأجْراس ، وأذكر ممّا قاله هذا الخطيب وأظنه يتكلم عن محاسن جنديٍ مات في إحدى الغزوات: (قد خَشَّفَ جَنَبَاتِهِمْ ، وتَوَفَّدَ مَرْبَأتِهم ، وتَشَوْقَبَ على مُرْتَبأتِهم…)ومثل هذا يسير ، وما خفيّ منه خطير ، فلا أدري هل يكون ذلك من الفصاحة ، وهل يُعد كلامه من البلاغة ؟

قال أبو هلال: أرى يا مولاي أن هذا الغريب الذي أتقنه ضرَّه ولم ينفعه ، وحطّه ولم يرفعه ، وقد قيل: اختيار الرجل قطعةٌ من عقله ، كما أن شعره قطعةٌ من علمه ، وما أكثر من وقع من علماء العربية في هذه الرذيلة . فمنهم من يتقصّد اختيار الألفاظ الغريبة والتي يقل تداولها بين الرواة ، وهذا خطأ بيّن ، فالغريب لم يكثر في كلام إلا أفسده ، وفيه دلالة الاستكراه والتكلف ، وقد قال بعض الأوائل: تلخيص المعاني رِفقٌ ، والتَّشَادُقُ من غير أهله بُغْضٌ ، والاستعانةُ بالغريب عَجْزٌ([1]). وبلغني أن رجلاً كان يُنشد أبياتاً فيها من التكلّف الظاهر ، فسمعه الحسن بن وهب فقال: يا هذا لقد شددت على نفسك .. والكلام إذا كان بهذه المثابة كان مذموما([2]).

قال أبو المعالي: صدقت والله ، فقد اطّلعتُ على ذلك في أبيات كثير من الشعراء ، ورسائل كثير من الأدباء ، وسمعتُ ذلك من بعض الخطباء ، ولكن لِمَ يقصد أمثال هؤلاء العلماء ، وبعض فحول الشعراء الغريب في كلامهم ، ويتعمّدون الألفاظ الوحشية في كتبهم وأشعارهم ؟

فَتَنَحْنَحَ أبو محمد الخفاجي ، وكان يجلس في موقعٍ يَقِلُّ نظر أبي المعالي إليه وقال: إن أذنتَ لي مولاي فهؤلاء الشعراء أرادوا الإغراب ، حتى يتساوى في الجهل بكلامهم العامة ، وأكثر الخاصة ، فما أقبح ما وقع لهم ! وقد رأيتُ جماعةً يتعمَّدون هذا فقلتُ لهم: إن سُرِرْتُم بمعرفتكم وحشيّ اللغة ، فيجب أن تغتموا بسوء حظكم من البلاغة ([3]).

فضحك أبو المعالي وسُرّ بهذا الكلام ، وقال يا أبا محمد هل لديك مثالاً نستأنس به على ما تقول ؟

قال : نعم جرى بين أصحابنا في بعض الأيام ذِكْرُ شَيْخِنَا أبي العلاء بن سليمان المعرّي ، فوصفه واصفٌ من الجماعة بالفصاحة ، واستدل على ذلك بأن كلامه غير مفهوم لكثير من الأدباء ، فعجبنا من دليله  ،وقلت له: إن كانت الفصاحة عندك بالألفاظ التي يَتَعَذَّرُ فهمها ، فقد عدلتَ عن الأصل المقصود أوّلاً بالفصاحة التي هي البيان والظهور ، ووجب عندك أن يكون الأخرسُ أفصحَ من المتكلم ، لأن الفهم من إشارته بعيد عسير ، وأنت تقول: كلما كان أغمض وأخفى كان أبلغ وأفصح !!([4])

ثم قال أبو المعالي : صدقتَ أبا محمد ، فإنني اطّلعتُ على رسالة الغُفران للمعرّي ، فوجدتُها تطفحُ بالوحشيّ من الألفاظ، ويغلب عليها التكلّف في الأقوال ، ولكن ما الفرق بين الألفاظ الوحشية أو الألفاظ المتكلَّفة ؟ أليست بمعنى واحد؟

فقال ابن رشيق: الوحشي: هو ما نفر عنه السمع ، والمتكلّف: ما بعد عن الطبع. وإذا كانت اللفظة خشنةً مستغربةً لا يعلمها إلا العالمُ المبرِّز والأعرابيّ القُح ، فتلك وحشيّة . وقد قال إبراهيم بن المهدي لعبدالله بن صاعد كاتِبُه: إياك وتتبع وحشي الكلام طمعاً في نيل المبالغة ؛ فإن ذلك هو العِيّ الأكبر ، وعليك بما سَهُل ، مع تَجنّبك ألفاظ السُّفْل([5]).

فنادى أبو المعالي الغلامَ ليسقي القوم بعد أن فرِغتْ كؤوسهم ، وبَحّتْ من الكلام أصواتهم ، فتكلّم أبو الجواهر وقال: قرأتُ لأبي حيان التوحيدي قوله: “الكلام لا يُؤاتيك قَسْراً ولا يُطيعك كارهاً، تكلّم عن سجية النفس، وعفو الطّباع، واطّرح البقية جانباً، وجانب التكلّف، واتّبع المعنى يتبعك اللفظ”([6]). ثم أخذ أبو الجواهر في الكلام عن التكلّف وقال: والعرب يا مولاي تُفَضِّل الكلام يجيء طبعاً لا تكلفا ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم من المتكلفين ، وهو أفصح العرب وأبلغُهم ، بل كان أشد الناس كراهية للتكلف في الكلام وغيره ، وكان يقول(هلك المتنطعون)([7]) ، والتنطع في الكلام : التعمّق فيه والتفاصح كما قرره علماء اللغة والأدب ، وما زال أئمة الفصاحة والبلاغة والأدب يتعوذون من التكلّف والتقعّر في الكلام عند كتاباتهم ومراسلاتهم ..

فقال أبو المعالي : هذا كلامٌ حسَنٌ والله ، وأرى أنّا أشْبَعْنَا الحديث عن الألفاظ الغريبة ، والوحشيّة والمتكلفة ، فدعونا نتطرّق للسّجع المُتَكلَّف فيه سواء في الخُطب ، أو الرسائل والكُتب ، فما تقولون ؟

قال أبو الجواهر : جُلّ علماء اللغة والأدب يُنكرون السجع المتكلَّف فيه ، بل إن القارئ والسامع إذا حضره مثل هذا السجع مَقَتَه ، وكرهتْهُ نفسُه ، ونفر عنه طبعُه ، ومن تأمل كلام البُلغاء ، وحديث الفُصحاء ، تبين له أنهم لا يتكلفون السّجع ، ولا يلتزمونه التزاماً دائماً متّصلاً ، ومن هؤلاء الجاحظ وغيره ، بل جاء ذمّ السجع المتكلّف في الشريعة ، كما ذمّ الرسول صلى الله عليه وسلم الرجل الهُذلي الذي خاصم في دية الجنين فقال:(يا رسول الله كيف أَغْرَمُ ديةَ مَنْ لا شَرِبَ ولا أَكَلَ ، ولا نَطَق ولا اسْتَهَلّ؟ فمثل ذلك يُطَلّ ـ أي يهدر دمه ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنما هذا من إخوان الكهان)([8])وذلك من أجل سجعه الذي سجع. وفي رواية أخرى (أَسَجْعُ الجاهلية وكهانتُها؟)([9]) فذمّ هذا النوع من السجع ، وهو ما كان كسجع الكهان مصنوعاً غير مطبوع ، وكان المعنى فيه تابعاً للفظ وليس اللفظ تابعاً للمعنى ، والسجع زِينة في الكلام إذا لم يكن مُتكَلّفاً ولا كثيراً ، فهو كالطّراز في الثوب ، والملح في الطعام. ولا يَعْمِدُ إلى ذلك إلا مَن قَلّت ثِقتُهُ بنفسه ، وكَرِهَ ما اختاره طَبْعُه ، فيتكلّف طبعاً غير طبعِهِ ، وأسلوباً ليس بأسلوبِهِ ، ليُشبع رغبتَه ، ويُطَمْئِن نفسَه ، ويَقِلّ مُشابهُهُ ، ولِيُقال ما أفصَحَهُ .. فأمثال هذا والله مساكين ، فهم عن الطريق السويّ ضالون ، وعمَّا يُصلِح كلامَهُم غافلون .

ثم قال أبو المعالي: بارك الله فيك يا أبا الجواهر ، ولكن تعلمون أن الرسول صلى  الله عليه وسلم كان يسجع في بعض أحاديثه كما ورد قوله(أعوذ بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامّة)([10]) وقوله (أفشوا السّلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصَلّوا بالليل والناسُ نيام، تدخلوا الجنة بسلام )([11]) ؟

فقال أبو هلال: نعم يا مولاي : هذا يُؤْذِنُ بفضيلة التّسْجِيع على شرط البَراءة من التكلّف ، والخلو من التعسف. والسجعُ له وجوهٌ ذَكَرْتُها عند ذكر السجع والازدواج ، في كتابي الصناعتين ([12]).

ثم تحدّث أبو المعالي فشكر الجميع على حُسن قولهم وبيانهم، ثم انصرف الكلام إلى ما يُصلِح حال البلاد ، وأرزاق العباد ..

قال النُّوري: فعرفنا أن اختيار الألفاظ الغريبة وهي التي يَقِلُّ تَداولها بين الرواة ، والأسجاع المُتَكلَّفَة التي تأباها الطباع ، وتنفِرُ عنها الأسماع، لا تُعدّ فصيحةً ولا بليغة ، وأنها ممقوتةٌ في اللغة والشريعة ، فعلى الكاتب أو الخطيب أن يُحدِّث الناس بما يفهمون ، ويَصْرِفَ عنهم ما لا يعقلون ، وأن يكون مُتوسطاً في سجعه ، واختيار ألفاظه ، بما يرضاهُ طبعُه ، وتفيضُ به قريحتُه . جعلنا الله من عباده المتقين ، وأبعدنا عن التكلّف والمتكلّفين ..وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..

كتبها / بدر محمد الطيار 4/10/1434هـ


([1]) الصناعتين مختصر من 8-9

([2]) الصناعتين 43

([3]) سر الفصاحة لابن سنان الخفاجي.

([4]) المصدر السابق.

([5]) العمدة 1044

([6]) أنظر أخلاق الوزيرين لابي حيان 78

([7]) رواه مسلم

([8]) رواه الشيخان .

([9]) رواه أبو داود وضعفه الألباني .

([10]) أخرجه البخاري .

([11]) أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد وصححه الألباني .

([12]) الصناعتين . وهذه الوجوه ذكرها بالتفصيل والأمثلة ولولا خشية الإطالة لذكرتُها .

3 تعليقات

  1. عبد الله الناصر says:

    شيخنا بدر الطيار حفظه الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… فلقد قرأت جميع مجالسك, ولي اطلاع بكتب الأدب, وأعشقها وأتلذذ بها, ولكني أجد نفسي مُنشدًّا ومُنجذبا كما وجدتها حين قراءتي لمجالسك العجيبة, وأسلوبك البديع, والعجيب أنني وأنا أقرؤها كأني أعيش القصة من أولها إلى آخرها, وكأني بينهم, فترسخ في ذهني, وتعلق في مُخيلتي..
    فأتحفنا جزاك الله خيرا بهذه المجالس التي إذا قرأنا مجلسا انتظرنا المجلس الآخر بفارغ الصبر..
    لكم تحياكتي وأشواقي.. محبكم: عبد الله الناصر من منطقة الرياض..

  2. بدر محمد الطيار says:

    وعليكم السلام ورحمة والله وبركاته ،،،
    لقد هَطَل مطرُ ثنائك على قلبي فشعرتُ بنشوة بعد فترة ، وبقوة بعد ضعف ، وبنشاط بعد عجز ، فلا أدري لماذا يجهلُ الناسَ حُسن الثناء ، وطيب الدعاء . وقد قيل: الثناءُ النفيسُ شَرَكُ النفوس .
    فشكر الله لك حُسْنَ صنيعك ، وقرب إليك ما يفيدك ، وأبعد عنك ما يضرك ..
    وتقبل شكري وتقديري ،،

  3. بدر الحربي says:

    استمتعت كثيرا وعشت بين أحرفك كنت اقوم بالبحث عن التكلف في الكلام فساقني إليك قوقل ..

    شكرا شيخنا الفاضل بدر الطيار سأسعد كثيرا بالمكوث بين مجالسك وكتاباتك نحبكم ..

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

What is 6 + 7 ?
Please leave these two fields as-is:
فضلا.. أكتب ناتج العملية الحسابية.