الحلقة الثانية من مجالس أبي المعالي (أحسن البلاغة)

الحلقة الثانية من مجالس أبي المعالي (أحسن البلاغة)

الحلقة الثانية

الشخصيات المخترعة: أبو المعالي ، والنُّوري ، وأبو الجواهر.

علماً أن تعليقاتي وآرائي وضعتها على لسان أبي الجواهر.

أحسن البلاغة

قال النُّوريُّ: دخلتُ على أبي المعالي ذات ليلة ، في الوقت الذي يجتمع فيه لمناقشة علوم الأدب والشعر مع العلماء ، فوجدتُّ بجانبه رجلاً كهلاً([1]) عرفتُ فيما بعد أنه يُدعى أبا الجواهر ، وأنه سبق أن عَمِل ورّاقاً([2]) وسمعتُ أنه لم يُفْلِتْ منه كتابٌ إلا أشْبَعَهُ قراءةً وفهماً وحفظاً ،وكان غزير العلم ، كثير الحفظ ، واسع الاطلاع ، له معرفة بأقوال العلماء ..

فافتتح أبو المعالي المجلس بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله ” ثم تكلم عن البلاغة ، وكيف أنها تُعْطِي الكلامَ حَلاوةً ، وتُضفي عليه طُلاوةً([3]) ثم قال: ما تقول يا أبا الجواهر في البلاغة ؟

قال أبو الجواهر: لقد كثر كلام العلماء في البلاغة ، وقد قرأتُ أكثر من عشرين تعريفاً لها([4]) تختلف باختلاف فهم كل عالم ، فكلٌ منهم يرى البلاغة بمنظور ما توصّل إليه علمه ، وما سهل عليه فهمه ، ولعلّ العلماء في مجلسنا يُدلون بدلوهم في هذا العلم ، فهم أهل البلاغة والأدب.

فأشار أبو المعالي إلى ابن رشيق وقال : ما تقول في أحسن البلاغة يا أبا علي ؟

قال ابن رشيق: قرأتُ في كتاب عبدالكريم([5]):أن أحسن البلاغة أن يُصَوَّرَ الحقُّ في صورة الباطل، والباطلُ في صورة الحق. وقال: ومنهم من يعيب ذلك المعنى، ويعده إسهاباً، وآخرَ يعُده نِفاقاً. وقد مرّ غيلانُ بن خرشة الضبي مع عبد الله بن عامر بنهر أم عبد الله ، الذي يشق البصرة ، فقال عبد الله بن عامر: ما أصلح هذا النهر لأهل هذا الِمصر!! فقال غيلان: أجل والله أيها الأمير: يتعلمُ فيه العَومُ صِبْيَانَهم. ويكون لِسُقْيَاهم، ومَسِيْل مِيَاهِهم، ويأتيهم بمَيْرَتِهم.. قال: ثم مرَّ غيلان يُسَايرُ زيادَ على ذلك النهر ـ وقد كان عادى ابن عامر ـ فقال زياد لغيلان: ما أضرَّ هذا النهر لأهل هذا المِصْر!! فقال غيلان: أجل والله أيها الأمير: تَنْدَى([6]) منه دورهم، ويغرق فيه صبيانهم، ومن أجله يكثر بعوضهم. فكره الناس من البيان مثل هذا، انقضى كلام عبد كريم.

ثم أضاف ابن رشيق :الذي أراه أن هذا النوع من البيان غير مَعِيب بأنه نفاق؛ لأنه لم يجعل الباطل حقاً على الحقيقة، ولا الحق باطلاً، وإنما وصف محاسن شيء مرة، ثم وصف مساويه مرة أخرى([7]).

قال أبو المعالي: ما أعجب هذا الكلام ! ولكن هلاّ أعطيتني مثالاً آخر يستبين به الكلام ، ويُزيلُ الإشكال عن الأفهام ؟

 قال: من أوضح الأمثلة على ذلك ما فعله عمرو بن الأهتم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد سأله عن الزبرقان بن بدر، فأثنى خيراً وقال: مانعٌ بحوزته، مطاع في ناديه . فلم يرضَ الزبرقان بذلك، وقال مخاطباً الرسول: أما إنه قد علم أكثر مما قال، ولكنه حسدني .  فأثنى عليه عمرو شراً، وقال: أما لئن قال ما قال: لقد علمتُه ضيِّق الصدر، زَمِرَ المروة([8])، أحمق الأب، لئيم الخال، حديث الغنى، ثم قال: والله يا رسول الله ما كذبتُ عليه في الأولى، وقد صدقتُ في الآخرة، ولكن أرضاني فقلت بالرضا، وأسخطني فقلت بالسّخط، فقال رسول الله عليه وسلم: إن من البيان لسحراً.([9])

فقاطعه أبو المعالي وقال: فلماذا قَرَن الرسول صلى الله عليه وسلم البَيَان بالسّحْر؟

قال ابن رشيق: قرن البيان بالسحر فصاحةً منه ؛ لأن السحر يخيِّل للإنسان ما لم يكن لِلَطَافته وحيلة صاحبه ، وكذلك البيان يتصور فيه الحق بصورة الباطل، والباطل بصورة الحق؛ لرقة معناه، ولطف موقعه، وقال ابن سلام: وصف البيان بأنه سحر ؛ لأنه يبلغ من بيانه أن يمدح الإنسان فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله، ثم يذمه فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله الآخر، فكأنه سَحَر السامعين بذلك.([10])

 فقال أبو المعالي: أحسنتَ يا أبا علي . ولكن ما تقول يا أبا هلال في ذلك؟

قال أبو هلال : رأيي يا مولاي أن أعلى رُتَبِ البلاغة أن يَحْتجّ للمذموم حتى يُخرِجَه في معرض المحمود، وللمحمود حتى يصيّرَه في صورة المذموم. وقد ذمّ عبد الملك بن صالح المشورة، وهي ممدوحة بكل لسان، فقال: ما استشرتُ أحداً إلا تكبّر عليّ وتصاغرت له، ودخلتْه العزّة ودخلتْني الذّلة، فعليك بالاستبداد فإن صاحبه جليلٌ في العيون، مَهيْبٌ في الصدور، وإذا افْتَقَرْتَ إلى العقول حَقَرَتْكَ العيون، فَتَضَعْضَعَ شأنك، وَرَجَفَتْ بك أركانك، واستحقرك الصغير، واستخفّ بك الكبير، وما عزّ سلطان لم يُغْنِهِ عَقْلُه عن عقول وزرائه ، وآراء نصائحه. فالمتمكّن من نفسه يضعُ لسانه حيث يريد([11]).

فقال أبو المعالي : أرى قولك يُقارب قول ابن رشيق ، فما رأي صاحبنا أبا الجواهر في هذه الأقوال ؟

قال أبو الجواهر: قد أحسن كلاهما ، وهو ما أشار إليه العتّابي ، ولكن ليس المفهوم قلب الكلام من السيء إلى الحسن أوالعكس على وجه واحد ، وإنما يكون ذلك الممدوح أو المذموم له وجهان فيُمدح على وجه حتى لا يدع فيه مجالٌ للذم ، ويذم على وجه آخر حتى لا يدع فيه مجالٌ للمدح ، كما ورد في حديث عمرو ، وكما فعل غيلان ، وهما لم يكذبا ، والعربُ كما قال الجاحظ: “تمدح الشيء وتذُمّه ، ولكن لا يمدحون الشيء من الوجه الذي يذمونه به”([12]) . وكذلك لا يذمونه من الوجه الذي يمدحونه به. إذاً فهم يسلكون طريقاً للذم وآخر للمدح. وهذا كثير في كلام العرب . وقال أيضاً: (العربيُّ يَعافُ الشيءَ ويهجو به غيره ، فإن ابتُلي َ بذلك فَخَر به ، ولكنه لا يفخرُ به لنفسه مِنْ جهةٍ ما هجا به صاحبه ، فافهم هذه فإن الناس يَغْلطُونَ على العَرَبِ ويزعُمون أنهم قد يمدَحون الشيء الذي قد يهجُون به ، وهذا باطلٌ ُ ، فإنه ليس شيءٌ إلا وله وجهان وطَرَفان وطريقان ، فإذا مدحوا ذكروا أحسنَ الوجهين وإذا ذَمُّوا ذكروا أقبحَ الوجهين) ([13]) . فإذا تبيّن لك هذا النوع من البلاغة والبيان ، علمتَ لماذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم البيان بالسّحر .

فشكر أبو المعالي ابنَ رشيق وأبا هلال على ما بيّنَاه ، وعن الإشكال الذي كشفاه ، كما أثنى على تعليق أبي الجواهر وتعقيبه ، ثم أذّن العشاء فاستأذنا وخرجنا …

18/9/1434هـ


([1]) الكهل من 33 فما فوق

([2]) أي ناسخاً للكتب وبائعاً لها .

([3]) وردت طَلاوة بالفتح ، والأجود والأفصح بالضم طُلاوة . ذكره ابن قتيبة في أدب الكاتب.

([4]) هذا القول صحيح فقد ذكر صاحب العقد الفريد أكثر من عشرين قولاً للبلاغة .

([5]) هو أبو محمد عبدالكريم بن إبراهيم النهشلي توفي سنة 405هـ وكتابه اسمه (الممتع).

([6]) من النّدى وهو البلل.

([7]) العمدة.

([8]) أي قليل المروءة.

([9]) أصل الحديث في البخاري ، ولكنه لم يذكر تفاصيل القصة ولا الذين خطبا ، وجاء تفصيل القصة كما هي هنا عند الطبراني والمستدرك.

([10]) العمدة لابن رشيق.

([11]) الصناعتين لأبي هلال العسكري

([12]) ذكر هذا الخفاجي في سر الفصاحة.

([13]) هذه المقولة في الحيوان.

6 تعليقات

  1. أحمد ناصر الطيار says:

    إلى الأمام أبا محمد وفقك الله, فكلما قرانا مجلساً قلنا متى يأتي المجلس الآخر, لقد سحرتنا بأسلوبك, وجذبتنا بحسن صنيعك…

  2. بدر محمد الطيار says:

    لك مودتي وشكري ،، واحترامي وتقديري ،، فتعليقك أفرحني ، وردُّك آنسني ،،،

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

What is 3 + 9 ?
Please leave these two fields as-is:
فضلا.. أكتب ناتج العملية الحسابية.