الحلقة الرابعة من المجالس(حوار مع أبي حيان التوحيدي)

الحلقة الرابعة من المجالس(حوار مع أبي حيان التوحيدي)

الحلقة الرابعة

(حوار مع أبي حيّان التوحيدي) الجزء الأول

تنبيه:  الشخصيات الموضوعة (النوري ، وأبو المعالي ، وأبو الجواهر)

قال النُّوري : دخلت على أبي المعالي وكان منفرداً ورأيته يقرأ كتاب أبي حيان التوحيدي (الإمتاع والمؤانسة) فأغلقه ، وذكر لي ما في هذا الكتاب من المحاسن والمنافع والعلوم المتنوعة ، وقال : أخبرني يا نُورِيّ عن أبي حيان هذا . قلتُ : قد أخبرني قبل مُدةٍ صاحبُنا أبو الجواهر: أنه لقيَ أبا حيان ، واجتمعَ به في دُكُّانه . وأسُوقُ إليك حديثَه كما رواه لي .

قال أبو الجواهر: ذهبتُ كعادتي لدُكّاني حين أشْرقتِ الشمسُ ، فلمّا وصلتُ وجدتُ شيخاً تظهر عليه علامات كمال العقل والحِجَى ، والحَصافة والنُّهى ، وكان يجلس عن يسار باب الدُّكان على كرسيّ من خشب ، فعلِمتُ أنه ينتظرني ، فسلّمتُ عليه ، فنظر إليّ مُحدقاً وردّ السلام ، وقال: أما عرفتني !! فنظرتُ نَظَر الفاحصِ المتأمل ، فقلّبتُ الفِكْرَ والعَقْلَ ، وأحاطتْ بيَ الحِيْرة ثم قلتُ: لا تؤاخذني فإن الأشباهَ تختلطُ عليّ من كثرة مرتادي هذا الدُّكان ، ولكن أخبرني وذكّرني فربما غلبني النسيان. فقال: أنا أبو حيان علي بن محمد التوحيدي صاحبُك بالعراق ، فأصابتني الدّهشةُ ، وأخذتني العَبْرَةُ ، فَقَرَبْتُ إليه وعانَقْتُه عِنَاق العُشاق ، وكنتُ عليه والهاً مشتاق ، وقد كنتُ أبحث عنه منذ زمن ، فدخلنا الدّكان وبدأنا بالحديث ..

وبعد أن تعاتبنا على طول الفراق ، وبث كل واحد منا ما يجده من الأشواق . قلتُ له : يا أبا حيّان سمعتُ أن عمر بن عبدالعزيز قال: إن في المحادثة تلقيحاً للعقول ، وترويحاً للقلب ، وتسريحاً للهمّ ، وتنقيحاً للأدب. فما تقول في هذا ؟

قال أبو حيان: صدق والله ، وقد قال سليمان بن عبدالملك: قد رَكِبْنَا الفَارِهَ ، وتَبَطّنّا الحسناء ، ولَبِسْنا اللَّيّن، وأكلنا الطّيب حتى أجَمنَاه ـ أي مللناه ـ وما أنا اليوم إلى شيء أحوجُ مني إلى جليس يضع عني مؤونة التحفّظ ، ويُحدّثُني بما لا يمجُّه السمع ، ويطرب إليه القلب. فهذا الكلام حق وصواب ؛ لأن النفس تملّ ، كما أن البدن يكَلُّ ، وكما أن البدن إذا كَلَّ طلب الراحة ،كذلك النفسُ إذا ملّتْ طلبت الرَّوح ([1]).

قلتُ: فما تقول في القلب الذي امتلأ بدنس الدنيا ؟

قال: القلب متى لم يُنقَّ من دنس الدنيا ،لم يَعْبق بفوائح الحِكمة ، ولم يتفوّح بردْع الفلسفة ، ولم يقبل شعاع الأخلاق الطاهرة المفضية إلى سعادة الآخرة .

ثم أتيتُه بشراب وحلوى ، وحَدّثني عمّا لقيَ في بغداد من الضَّيْم والضَّنْك ، وتَنَكُّرِ الأصحاب ، وتَبَاعُدِ الأحباب ..

ثم سألتُه عن الصاحب ابن عباد الذي قدم إليه أبو حيان ليتأدب عنده ، ويتعلم منه .

قال أبو حيّان: “لمّا مَلَلْتُ حِرْفَةَ الوِرَاقة ، وسمعتُ بعلم الصاحب ابن عباد قدمتُ إليه ، فلما دخلتُ عليه قال لي : أبو مَن ؟ قلتُ: أبو حيان فقال: بلغني أنك تتأدَّب ، فقلتُ: تَأَدُّبَ أهل الزمان ، فقال لي: أبو حيان ينصرف أو لا ينصرف؟ قلتُ: إن قَبِلَهُ مولانا لا ينصرف ، فلما سمع هذا تنمَّر ([2]) وكأنه لم يُعجبه ، وأقبل على واحد إلى جانبه ، وقال له بالفارسية: سَفِيهٌ . ثم قال: الْزَمْ دارنا وانسخ هذا الكتاب ، فقلتُ: أنا سامعٌ مطيع. ثم إني قلتُ لبعض الناس في الدار مُسْتَرسِلاً: إنما توجهتُ من العراق إلى هذا الباب ، وزاحمتُ مُنْتَجِعِي هذا الرَّبْع([3]) لأتخلّص من حِرْفَةِ الشُؤْم ، فإن الوِراقة لم تكن ببغدادَ كاسدة ، فَنُمِيَ إليه هذا أو بعضه أو على غير وجهه ، فزاده تنكراً “([4]).

قلتُ: لقد ذكّرتني في قولك عن الوراقة أنها حرفة شؤم بقول ابن عبدالحميد الأعْسَر الورّاق: “ما خلق الله أشقى من الوَرّاق ، ولا أشْأَمَ من الوِراقة ، فالواو ويل ، والراء رَيْبٌ ، والألف آفة ، والقاف قبْر ، والهاء هوانٌ..” وهذا والله من التَّكلف المذموم ، والتشاؤم الممنوع . ولكن دعنا من هذا الآن ، وأخبرني عن صحة ما سمعتُه من بعض من ينقل إلي أخبارك بأنك حرّقتَ كُتبك ؟

قال: نعم حَرَقْتُها لِقِلَّة جَدْواها ، وضَنًّا بها على من لا يعرفُ قدرها ، وقد حَوَتْ الكتب من أصناف العلم سرّه وعلانيته ، فأما ما كان سِرًّا فلم أَجِدْ له من بحقيقته راغباً ، وأما ما كان عَلانيةً فلم أَصِب من يحرصُ عليه طالباً ، على أنّي جَمعتُ أكثرها للناس ، ولطلب المثالة منهم ـ أي حُسن الحال ـ ولِعَقْد الرّياسة بينهم ، ولمدّ الجاه عندهم ، فحُرِمْتُ ذلك كُلّه ، ولا شك في حُسْن ما اختاره الله لي ، وناطه بناصيتي ، وكرِهْتُ أن تكون حُجةً علي لا لي ، ومما شَحَذَ العَزْمَ على ذلك أني فقدتُ ولداً نجيباً ، وصديقاً حبيباً ، وصاحباً قريباً ، وتابعاً أديباً ، ورئيساً مُثيباً ، فشقّ علي أن أدعها ـ أي الكتب ـ لقوم يتلاعبون بها ، ويُدَنّسون عِرضي إذا نظروا فيها ، ويتشمتون بسهوي وغلطي إذا تصفحوها ، ويتراءون نقصي وعيبي من أجلها ([5]).

قلتُ: يا أبا حيان لِمَ تسِمُهم بسوء الظن ، وتُقرّع جماعتهم بهذا العيب ؟

قال: إنّ عِيَاني منهم في الحياة هو الذي يحقق ظني بهم بعد الممات ، وكيف أتركُها لأناسٍ جاورتهم عشرين سَنَةً فما صح لي من أحدهم وِدَادٌ ولا ظهرَ لي من إنسان منهم حِفاظ ، وبَعْدُ فقد أصبحتُ هَامَةَ اليوم أو غد ، فإني في عُشر التّسعين ، وهل بعد الكَبْرَة والعَجْز أمَلٌ في حياةٍ لذيذةٍ أو رجاءٍ لحال جديدة ؟ ألستُ من زُمْرة مَن قال القائل فيهم :

نَرُوح ونغدو كُلّ يومٍ وليلةٍ ** وعَمّا قليلٍ لا نَروح ولا نغدو([6])

فحادثتُه عن كثير من العلماء ممن حافظوا على كُتُبهم ونشروها بعد أن مَحّصُوها ونَقّبُوها ، فانْتَشر ذِكْرهم وانتفع الناس بكُتبهم ، بل هذا من العلم الذي يُنتفع به ، ولولا هذه الكتب لما نُقلت إلينا هذه العلوم ، وفائدتها أكبر من أن أُحصيها ، وقلتُ: لا أعتقد أن عاقلاً يُحرّق ما أضاعَ أوقاته وأشغاله من أجله .. فقاطعني وقال: “إنّ لي في إحراق هذه الكتب أُسْوَة بأئمة يُقتدى بهم ويؤخذ بِهَدْيهم ، منهم أبو عمرو بن العلاء دفن كتبه في بطن الأرض ، فلم يوجد لها أثر ، وداود الطائي الذي يُقال له تاج الأمة طرح كتبه في البحر وقال يُناجيها: نِعمَ الدليل كُنتِ ، والوقوف مع الدليل بعد الوصول عَناءٌ وذهولٌ وبلاءٌ وخمولٌ ، وهذا أبو سليمان الداراني جمع كتبه في تَنّور وسَجَّرها بالنار ، ثم قال: والله ما أحرقتُك حتى كِدتُ أحترقُ بك ، وسفيان الثوري مزّق ألف جزءٍ وطيّرها في الريح وقال: ليت يدي قُطِعَتْ من هاهنا بل من هاهنا ولم أكتب حرفاً ، وشيخُنا أبو سعيد السيرافي سيد العلماء قال لولده محمد: قد تركتُ لك هذه الكتب تكتسب بها خير الآجل ، فإذا رأيتها تخونك فاجعلها طُعمَةً للنار”([7]).

فقلتُ: أنت والله أعلم بحالك ، وبعض العلماء مثل الإمام أحمد بن حنبل لم يؤلف كتاباً بل يُروى أنه همّ بتأليف كتاب ، ثم تراجع وأحجم عن ذلك ، ولكن أطرِبْني بما تحفظه من الشّعر في الغنى والفقر ؟

فقال: أحفظ قصيدةً لعروة بن الورد الجاهلي المعروف الذي يُقال له عُروة الصعاليك ؛ لأنه كان يؤويهم قال  عروة:

ذريني للغنى أسعى فإني ** رأيتُ الناسَ شرّهمُ الفقيرُ

وأبعدُهم وأهونُهم عليهم ** وإن أمسى له حسبٌ وخيرُ

ويُقصيه النّديُّ وتزدَريه ** حَليلته وينهرُه الصغيرُ

وتلقى ذا الغنى وله جَلالٌ** يكادُ فُؤاد صاحبهِ يطيرُ

قليلٌ ذنبُه والذنبُ جَمُّ** ولكنّ الغِنَى رَبّ غفورُ ([8])

ثم سألني قال: هل تُجيد الترجمة من كُتُب العَجَم إلى العربية ؟

قلتُ: لا ، ولكني أقرأ ما ترجَمَه مَن قبلنا وما انتشر في عصرنا ، ولكن هل العَجَمُ في وقتنا يُقصد بهم الروم والفرس؟

قال: الأمم عند العلماء أربع: الروم ، والعرب ، وفارس ، والهند ؛ ثلاثٌ مِن هؤلاء يُقال لهم عَجَم .

قلتُ: فما تقول في تفضيل بعضها على بعض ؟

قال: أنقل لك ما رواه شبيبٌ بن شَبّة حيث كانوا في مجلسٍ وأقبل عليهم ابن المقفّع فقال  لهم : أي الأمم أعقل؟ فظننا أنه يُريد الفرس  ؛ لأنه فارسي  فقلنا: فارس أعقل الأمم ، فقال : كلا ، ليس ذلك لها ولا فيها ، هم قومُ عُلِّموا فتعلَّموا ، ومُثِّل لهم فتمثّلوا واقتدوا ، ليس لهم استنباط ولا استخراج. فقلنا له: الروم ، فقال: ليس ذلك عندها ، بل لهم أبدانٌ وَثِيقة وهم أصحاب بِنَاء وهندسة ، لا يعرفون سواهما ، ولا يحسنون غيرهما . فقلنا : فالصين  ،قال: أصحاب أثاثٍ وصَنْعة ، لا فِكْرَ لها ولا رويّة ، قلنا: فالتُّرك ، قال: سِباعٌ للهِراش ، قلنا: فالهند ، قال: أصاحب وَهْمٍ ومَخْرَقة ـ أي جَهل وحُمق ـ وشَعبذة ـ أي شعوذة ـ وحِيلة . قلنا: فالزّنج ، قال: بهائمُ هامِلة . فرددنا الأمر إليه قال: العربُ ؛ فليس لها أولٌ تَؤمُّه ، ولا كتاب يدلّها ، وهم أهلُ بَلَد قَفْر ، ووحْشَة من الإنس ، احتاج كل واحد منهم في وِحْدَته إلى فِكْره ونَظره وعَقله ، وعلموا أن معاشَهم من نبات الأرضِ ، فوسموا كل شيء بسِمَته ، ونسبوه إلى جِنسه ، وعرفوا مصلحة ذلك في رطِبه ويابسه ، وأوقاته وأزمنته ، ثم نظروا إلى الزمان واخْتِلافه فجعلوه ربيعياً وصيفياً وقيظياً وشتوياً ، ثم علموا أن شربهم من السماء فوضعوا لذلك الأنواء، وعرفوا تغير الزمان ، فجعلوا له منازله من السّنَة ، واحتاجوا إلى الانتشار في الأرض ، فجعلوا نجوم السماء أدلة على أطراف الأرض وأقطارها ، وليس لهم كلام إلا وهم يُحاضُّون به على اصطناع المعروف ، ثم حِفظُ الجار ، وبَذْل المال ، وبناء المحامد ، كل واحد منهم يصيب ذلك بعقله ، ويستخرجه بفطنته وفكرته ، فلا يتعلمون ولا يتأدبون بل نحائزُ ـ أي طبائعُ ـ مؤدبة ، وعقولٌ عارفة([9]).

وبينما نحن على هذا الحال من الحديث ، إذْ دخل علينا رجلٌ من السُّوقة حصل بينه وبين أحد أصحابه خلاف في أيّهما أشجعُ الأمويون أم العباسيون؟ وجاء يسأل عن ذلك . فجعلتُ الإجابة لأبي حيان فقال:

سُئِل أبو مسلم صاحب الدولة حين قيل له : أي الناس وجدتهم أشجع ؟ فقال: كل قومٍ في إقبال دولتهم شُجْعان. وقد صدق ، وعلى هذا كلّ أُمّة في مَبْدَأ سعادتها أفضل وأنجد وأشجع وأمجدُ وأسخى وأجود وأخطب وأنطق وأرأى وأصدق ، وهذا الاعتبار يَنْسَاق من شيء عامّ لجميع الأمم ([10]).

فسُرّ الرجلُ وقال: بارك الله فيك أيها الشيخ فقد جَمعتَ بين القولين ، وألّفتَ بين القلبين ، وإن سمحتَ لي أن أسألك عن أسواق العرب وما اشتُهر منها في الجاهلية ، فلك مني الدعاءَ في ظهر الغيب؟

فقال أبو حيان: نعم ، من أسواقهم : دُومَة الجندل ، كان ينزلها الناسُ أول يوم من شهر ربيع الأول ، فيقيمون أسواقهم بالبيع والشراء والأخذ  والعطاء ، ثم يقوم سُوقهم إلى آخر الشهر ، ثم ينتقلون إلى سوق هَجر وهو المُشقّر([11]) في شهر ربيع الآخر فتقوم أسواقهم ، ثم يرتحلون نحو عُمَان فتقوم أسواقهم بديار دَبَا([12])، ثم يرتحلون فينزلون إرَم([13]) وقرى الشِّحْر([14]) فتقوم أسواقهم أياماً ، ثم أسواق عَدن وتُشترى منه اللطائم ـ أي نوافج المسك وسُرُرَه ـ وأنواع الطيب ، ولم يكن في الأرض أكثر طيباً ، ولا أحذق صُنّاعاً للطيب من عدن ، ثم الرَّابية من حضرموت ، ثم يَرِدُون صنعاء ومنها كانت تُجلب آلة الخرْز والأدَم والبُرود([15]) ، ثم يرتحلون إلى عكاظ ، وذي المجاز في الأشهر الحرم فتقوم أسواقهم بها ، فيتناشدون ويتحاجّون ويتحادّون.. وهذه الأسواق كانت تقوم طول السنة ، فيحضرهم من قَرُبَ من العرب ومَن بعد ([16]).

فقال الرجل والله لم أر مثلك عالماً متفننا في العلوم فمَن تكون ؟ فقال أبو الجواهر: ويحك يا رجل قد بلغتَ حاجتك فانْصرِف ، فخرج الرجل بعد أن قبّل رأس أبي حيان وودّعه .. ثمّ أذّن المؤذن لصلاة الظهر فقلتُ لأبي حيّان : هيا بنا للصلاة ، ثم إلى البيت لتُلْقي عناء السفر وترتاح ، ثم نستكمل الحديث ..

(البقية في الحلقة القادمة بمشيئة الله) كتبه / بدر محمد الطيار 14/10/1434هـ


([1]) الإمتاع 34

([2]) يُقال تنمّر إذا تخلّق بأخلاق النّمر .

([3]) قال الأصمعي : الرّبْع: هي الدار حيث كانت . ذكره صاحب المزهر في اللغة .

([4]) أخلاق الوزيرين ص305 .

([5]) معجم الأدباء .

([6]) المصدر السابق.

([7]) نفس المصدر السابق.

([8]) الإمتاع ص61 .

([9]) الإمتاع ص71 .

([10]) المصدر السابق ص72

([11]) حصن بالبحرين .

([12]) دبا: سوق من أسواق العرب بعمان .

([13]) فلاة قرب عدن .

([14]) صقع على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن .

([15]) البرود : من أنواع المعاطف.

([16]) الإمتاع ص81

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

What is 3 + 9 ?
Please leave these two fields as-is:
فضلا.. أكتب ناتج العملية الحسابية.