حكم قطرات البول اليسيرة التي قد تخرج بعد الانتهاء من البول

حكم قطرات البول اليسيرة التي قد تخرج بعد الانتهاء من البول

من تأمل يُسر الشريعة الإسلامية, وأنها ما جاءت إلا لرفع الحرج والأذى عن الناس, وتأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه, أيقن أنّ اليسير معفوٌّ عنه في الأغلب والأكثر.
ومن ذلك ما يدخل جوف الصائم من يسير بقايا الطعام في الأسنانِ, والماء بعد المضمضة, ورطوبة السواك.
فمن المعلوم من سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم أنه كان يستاك حال إفطاره وحال صيامه, والسواك به رطوبةٌ وطعمٌ, ومع ذلك لم يكن يُبال بهذا اليسير, بل إنّه إذا استاك فينزل في الجوف بقايا طعامٍ مُتعلق بين الأسنان, ومع ذلك يبتلعه الصائم ولا يُبالي بهذا اليسير.
وبعد المضمضة سيبقى ماءٌ ولا شك في الفم, فلم يكن يتكلف إخراج هذا اليسير من الماء, بل يبتلعه مع لُعابِه.
ومن ذلك ما يُصيب الثوب من يسير النجاسة, فمن المعلوم أنّ دم الحيض نجسٌ, قد شدّد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في إزالته فقال: «إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ». رواه البخاري
ولكن حينما لا يُصيب الثوب إلا قطراتٌ أو يسيرٌ من الدم, فنجد التشديد يخف, والتأكيد يقل, فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: «مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا، فَقَصَعَتْهُ -أي حكّتْه- بِظُفْرِهَا». رواه البخاري
وفي لفظ عند أبي داود: «قَدْ كَانَ يَكُونَ لِإِحْدَانَا الدِّرْعُ فِيهِ تَحِيضُ قَدْ تُصِيبُهَا الْجَنَابَةُ، ثُمَّ تَرَى فِيهِ قَطْرَةً مِنْ دَمٍ فَتَقْصَعُهُ- أي تحكّه- بَرِيقِهَا».
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: يُحمل ذَلِكَ على أنها كانت ترى ذَلِكَ يسيراً فيعفى عَن أثره ، ويحتمل أنها كانت ترى الريق مطهراً ، فيكون فيهِ دلالة على طهارة النجاسة بغير الماء. ا.ه [فتح الباري: 2/109].
قلت: والذي يظهر أنها كانت ترى كلا الأمرين.
وقال العلامة عبد المحسن البدر حفظه الله: والقطرة هي: نقطة يسيرة، وقد سبق أن قلنا على أحد التفسيرين للغسل بالريق: إنه إذا كان شيئاً يسيراً فهو معفو عنه، فإزالة القطرة اليسيرة بالريق هي لئلا تَتَشوَّش بكونها تنظر إليها، وإلا فإنها معفو عنها. [شرح سنن أبي داود].
وهكذا الحكم في يسير سائِرِ النجاسات: وهو اختيارُ شيخ الإسلام ابن تيمية ، ورجح هذا القول الشيخ العثيمين في الشرح الممتع حيث قال: القول الثَّالث: أنه يُعفَى عن يسير سائر النَّجاسات.
وهذا مذهب أبي حنيفة ، واختيار شيخ الإِسلام ابن تيميَّة, ولا سيَّما ما يُبتلَى به النَّاس كثيراً كبعر الفأر، وروثه، وما أشبه ذلك، فإِنَّ المشقَّة في مراعاته، والتطهُّر منه حاصلة، والله تعالى يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.
ومن يسير النَّجاسات التي يُعْفَى عنها لمشَقَّةِ التَّحرُّز منه: يسير سَلَسِ البول لمن ابتُلي به، وتَحفَّظ تحفُّظاً كثيراً قدر استطاعته. [الشرح الممتع: 1/447].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ” وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ ، حَتَّى بَعْر فَأْرَةٍ ، وَنَحْوِهَا فِي الْأَطْعِمَةِ ، وَغَيْرِهَا ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَلَوْ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَةُ طِينِ الشَّارِعِ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ ، .. وَمَا تَطَايَرَ مِنْ غُبَارِ السِّرْجِينِ (هو الروث النجس) وَنَحْوِهِ ، وَلَمْ يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ عَنْهُ : عُفِيَ عَنْهُ “. ا.ه (الفتاوى الكبرى: 5/ 313).
وقال الكاساني الحنفي: ” وَلِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ النَّجَاسَةِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ ، فَإِنَّ الذُّبَابَ يَقَعْنَ عَلَى النَّجَاسَةِ ، ثُمَّ يَقَعْنَ عَلَى ثِيَابِ الْمُصَلِّي ، وَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ عَلَى أَجْنِحَتِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ نَجَاسَةٌ قَلِيلَةٌ ، فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ عَفْوًا لَوَقَعَ النَّاسُ فِي الْحَرَجِ “. ا.ه (بدائع الصنائع” (1/79) .
ومن الأدلة على العفو عن يسير النجاسة, ما ثبت في الصحيحين عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ رضي الله عنه يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ..
فَقَالَ: حُذَيْفَةُ رضي الله عنه: لَيْتَهُ أَمْسَكَ «أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا».
ويعني بذلك أبو حذيفة: أنّ من بال قائمًا لا يُمكن أن يحتَرِزَ من قطراتِ البول التي تُصيبه.
قال ابن بطال رحمه الله: والبول قائمًا لا يكاد يسلم مما يتطاير منه. [شرح ابن بطال للبخاري: 1/ 337].
وقال الحافظ: وَإِنَّمَا اِحْتَجَّ حُذَيْفَة بِهَذَا الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِلَ عَنْ قِيَامٍ قَدْ يَتَعَرَّضُ لِلرَّشَاشِ, وَلَمْ يَلْتَفِتْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ, فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّشْدِيدَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ. [فتح الباري: 1/ 357].
“وإنما كان تشديد أبي موسى لأنه قد سمع التحذير من الأنجاس وقد صح عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال في القبرين إنما ليعذبان وما يعذبان في كبير كان أحدهما لا يستتر في بوله”. [كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي: 1/249].

وهكذا يُقال في قطرات البول اليسيرة التي قد تخرج بعد الانتهاء من البول, بعد التحفظ والاحتياط كما ذكر الشيخ ابن عثيمين.
ويسمى سلس البول المؤقت، وهو يستمر من ربع ساعة إلى ساعة أحيانًا بحسب قوة المرض.
ولا يلزم غسل الملابس منه للمشقة الناشئة منه, ولأنه يُؤدي إلى الوسواس والقلق وكثرة النظر إلى السروال, والتحسس منه.

سُئل الشيخ خالد المشيقح حفظه الله هذا السؤال:
أنا لدي وسوسة من عشرين سنة مستعصية, ولكن متأكد من خروج قطرات من البول بعد الاستجمار بالفاين دائما, سببت لي الحرج, فماذا أفعل؟
فأجاب: هذه القطرات إن شاء الله معفو عنها ، فإذا توضأت واستجمرت ثم بعد ذلك خرج منك شيء من ذلك فامض إلى صلاتك ولا تلتفت إلى مثل هذه الأمور, وهذه القطرات معفو عنها بإذن الله لعموم المشقة, ومن قواعد الشريعة المقررة: المشقة تجلب التيسير, والله عز وجل يقول {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ }, ويقول صلى الله عليه و سلم:( إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه). ا.ه [الموقع الرسمي للشيخ, رقم الفتوى: 32466].
وقال الدكتور عبد الرحمن المخضوب وفقه الله تعالى: لو كلف المتوضئ بإزالة النجاسة وإنْ قلَّت لأدى هذا إلى الحرج المنتفي في شرعنا, فقد حكي الاتفاق بالعفو عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء واستيفاء العدد, ومعلومٌ في غالب الظن أن الاستجمار لا يزيل النجاسة وأثرها تماما, بل يبقى أثرٌ لا يزيله إلا الماء, ومع ذلك عفي عنه دفعًا للمشقة, وله أن يستجمر ولو مع وجود الماء, فكيف لا يقال مع هذا إنه لا يعفى عن يسير نجاسة البول؟
فهي مما تعم بها البلوى, ويشق على الكثير, بل وقد يكون بابًا للشيطان يلج منه على كثيري الشكوك وشديدي التحرز حتى يوقعهم في الوساوس.
ومن يسير النجاسات التي يعفى عنها لمشقة التحرز منها: يسير البول لمن ابتلي بالسلس, وهو استمرار خروج البول إذا تحفظ تحفظا كثيرا قدر استطاعته، ومن ابتلي بخروج قطرات من البول عند قيامه وقعوده ولا يستطيع التحرز منه, وهذا القول هو الموافق للأصول الشرعية والله تعالى أعلم. ا.ه [جريدة الاقتصادية عدد: 4519].

وأفضل طريقة في ذلك: أنْ يرش ماءً على السروال, في المكان القريب من مخرج البول, بحيث لو نزلت بعض القطرات تزول أثر النجاسة بملاقاتها للماء الكثير, وحتى لا يُشغل باله: هل نزلت القطرات أم لا, فلو شك في خروج شيء من البول باحساس بلل فإنه سيقول هذا من الماء ولا يلتفت إليه.
سُئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى السؤال التالي: يقول العلماء: (ويعفى عن يسير المذي) هل يعفى عنه إذا أصاب الثوب أم إذا خرج؟
الشيخ: المسألة فيها خلاف هل يعفى عن يسيره أم لا؟ لكن لو عُفي عن يسيره فالمراد مثلاً نقطة أو نقطتان لا تضر.
السائل: الحكم إذا أصاب الثوب؟
الشيخ: إذا أصاب الثوب أو الفخذ، لكن احتياطاً ينضحه ويصب عليه الماء حتى يغرقه بدون أن يعصره أو يدلكه. ا.ه
فمن أراد الاحتياط فعل كما قال الشيخ, ولا يلزمه أن يغسل الموضع ثلاثًا, أو يعصره, بل يكفي سكب الماء عليه.
وجاء في فتاوى الإسلام سؤال وجواب للشيخ محمد صالح المنجد حفظه الله( رقم: 12720): وأما حدُّ اليسير أن المعتبر ما اعتبره أوساط الناس أنه كثير فهو كثير وما اعتبروه قليلاً فهو قليل .
وعليه فيقال : أن الأصل إذا أصاب ثوب الإنسان نقط البول فإنه يغسل ما أصاب ثوبه منه حتى يغلب على ظنه زوال النجاسة ، وما بقي مما لم يغسله فيكون داخلاً في يسير النجاسة المعفو عنه.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

What is 4 + 8 ?
Please leave these two fields as-is:
فضلا.. أكتب ناتج العملية الحسابية.