خطبة الجمعة (7-12-1437): الدروس الْمُسْتَنْبَطَة من قصّةِ طلحة- والحديث عن يوم عرفة والتكبير المقيد

خطبة الجمعة (7-12-1437): الدروس الْمُسْتَنْبَطَة من قصّةِ طلحة- والحديث عن يوم عرفة والتكبير المقيد

لسماع المادة الصوتية اضغط هنا

الحمدُ لِلَّهِ الذَّي منَّ على الصالحين بذِكره وطاعَتِه ، فَرَتَعوا في رياض الجنَّة لشُغْلِهم بمُراقَبَتِه وعِبَادَتِه, وَأشْهَدُ أنْ لا إِله إِلا اللهُ وَحْدَه لا شَرِيكَ لَه في ربوبيَّته وإلهيَّته وأسمائِهِ وصفاتِهِ ، وأَشْهَدُ أَنَّ سيَّدَنَا محمَّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه من مخلوقاتِه ، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وأتباعِهِ أهلِ دينِه ووُلاته, وسلَّم تسليمًا.
أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين, واعلموا أنّ مدرسة النبي صلَّى اللهُ عليه وسلم فيها الكثير من الدروس والعِبَر, والمعارف والدرر, ولا زالت تُخرج لطائفَ السير, وأحلى الأزهارِ وأطايبَ الثمر.
فمن هذه الدروس العظيمة, والقصص اللطيفة, ما يُحدثنا بها أَنَسُ بْن مَالِكٍ رضي الله عنه فيَقُولُ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ: قَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ.
وفي رواية له: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعًا فِي الْمَسْجِدِ يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ وَأَظُنُّهُ جَائِعًا.
فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ, عِنْدِي كِسَرٌ مِنْ خُبْزٍ وَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ جَاءَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ أَشْبَعْنَاهُ، وَإِنْ جَاءَ آخَرُ مَعَهُ قَلَّ عَنْهُمْ.
فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، وَقَدْ عَصَّبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ مِنَ الْجُوعِ.
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, عَصَّبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ مِنَ الْجُوعِ, وكثيرٌ منا عَصَّبَ بَطْنَهُ بِحزامٍ ليُزيل الشحوم التي عليه.
وقد كان بإمكانه أنْ يملأ بيته بأصناف الطعام والشراب, ولكنه علم أن الدنيا ممرٌّ لا مقر, وبُلْغةٌ لا غُنية.
قال أنس: فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَنَظَرَ إِلَيَّ فَاسْتَحْيَيْتُ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ»، قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «أَلِطَعَامٍ؟»، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ مَعَهُ: «قُومُوا»، قَالَ: فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ، فَقَالَتْ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
فَقَامَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى الْبَابِ ينتظره مشفقًا قلقًا, حَتَّى أَتَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا كَانَ شَيْءٌ يَسِيرٌ.
يعني: لا يكاد أنْ يكفينا وحدنا, فكيف سيكفي هؤلاء القوم كلَّهم.
فقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بثقةٍ وإيمان: «هَلُمَّهُ, فَإِنَّ اللهَ سَيَجْعَلُ فِيهِ الْبَرَكَةَ».

فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلُمِّي مَا عِنْدَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟» فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ»، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ»، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» حَتَّى أَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلًا أَوْ ثَمَانُونَ..
ثُمَّ أَكَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَكَلَ أَهْلُ الْبَيْتِ، وَأَفْضَلُوا مَا أَبْلَغُوا جِيرَانَهُمْ،
معاشر المسلمين: من أعظم دروس هذه القصة النبويّةِ الشريفة: العنايةُ بالبركة وعظمُ شأنِها وأثرها, فالفقر والقلة ليس هو سبب الشقاء والتعاسة, بل قلةُ البركة هي السبب, فإنك تجد إنسانًا كثيرَ المال, عظيمَ المنزلة والمنصب, لا يشتهي شيئًا إلا وفّره وجلبه, مع ذلك يعيش في فقر نفسي شديد, ولا يستطيع تجميع ماله لإصلاح حاله, بل بعضهم يملك راتبًا كبيرًا ولم يستطع بناء بيت له ولأهلِه.
وكم من إنسان قليل اليد, يعمل بوظيفةٍ متواضعة أو وضيعة, ومع ذلك يعيش عيشة الملوك, ويعيش سعادةً وحسنَ إدارةٍ لماله وبيتِه.
وللبركة علاماتٌ متى رأيتها فيك, فاعلم أنك مُباركٌ, وأنَّ الله تعالى خصك ومالَكَ ووقتك بالبركة, ومن هذه العلامات:
أولا: القناعةُ.
ثانيًا: رضاك عن الله وثقتَك به وتوكلك عليه.
ثالثًا: حسنُ إدارتِك لمالك ووقتك وبيتِك.

ومن أعظم دروس هذه القصة كذلك: عدم التكلف في ضيافة الناس واسْتقبالهم, فلقد استضاف طلحةُ أعظمَ رجلٍ في تاريخ البشرية, وأنبلَ وأكرمَ وأشرفَ إنسانٍ على وجه الأرض, وأرفعَ الناس منصبًا, فلا منصب أشرفُ من النبوة.
ومع ذلك اسْتضافه على كِسَرٍ مِنْ خُبْزٍ وَتَمَرَاتٍ قليلة!
لم يقل طلحةُ: هذا الطعام لا يُواجه, ولم يقل: ما دام أن عندي هذا الطعامَ المتواضعَ القليل, فلن أستضيف أحدًا حتى لا أقع في الإحراج.
ولم يقل حين الانتهاء من الطعام: ليس هذا قَدْركم! كما نسمعه من بعض الناس, وقد وضع لضيفِه أحسن الأصناف وأكثرها.

والواحد منا إذا استضاف بعض الناس, أعلن حالة الطوارئِ يومَه كلَّه, واهتم قبل وأثناء مجيء الضيوف, وعطّل أشغاله لأجلهم, وأما النساء فحدث ولا حرج, فكثير من النساء قبل موعد مجيء الضيوف, يعيش زوجها وأبناؤها في همٍّ ونكدٍ لا يعلمه إلا الله, من جرّاء نفسيّة المرأة وتوتُّرها, والبيتُ يُعاد تنظيفه كلُّه, وتبدأ بالطبخِ والإعدادِ قبل الوجبة بساعات كثيرة, ويدفعُ الرجل الكثير من مالِه لذلك!!
فما أبغض التكلف وأشأمه, فلْنبتعدْ عنه ونتركَه, ولْنعلمْ أنَّ إكرام الناس والأضياف لا يعني التكلف لهم, ولا المبالغةَ في تقديم أصناف الطعام والشراب لهم.

نسأل الله تعالى أنْ يرزقنا القناعة والبركة, وأن يجنبنا التكلف والإسراف والبطر, إنه سميع قريب مجيب.

الحمد لله الذي خلق فسوَّى، وقَدَّر فهدى، وصلى الله وسلم على رسوله المجتبى، وعلى آلِه وأصحابِه أعلام الهدى، أما بعد:
معاشر المسلمين: إنّ أيام عشر ذي الحجة قلّ من يُوفيها حقّها, ويعملَ فيها بما يليق بمكانتها وفضلِها.
ولقد حرص أكثر الناس على البذل والعطاء, وإخراج الصدقات والزكوات في شهر رمضان, وما علموا أنّ الأجر في هذه الأيام أعظمُ من غيرها, وإخراجُ الزكاة والصدقات قد يكون أنفعَ من إخراجها في رمضان, فلقد اجتمع على الفقراء العيدُ, والأضاحي, وحاجاتُ ولوازمُ المدرسة, التي ستفتح أبوابَها بعد أيام قليلة, فأين نصيبهم منكم أيها الأغنياء, مَنْ يقف بجانبهم والوضع الاقتصادي أرقهم وأقضّ مضاجعهم؟
وكثير من الناس يزكي أمواله في رمضان, وليتهم يجعلونها في عشر ذي الحجة, فالأجر فيها أعظم, والحاجة فيها أعظم.

إخوة الإيمان: لقد بقي على نهاية العشر أيامٌ قليلة, فلْنختمها بالأعمال الصالحة, ومن أعظم الأعمال: صيام يوم عرفة, وَقد سُئِلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ».
وبعد صلاة فجر يوم عرفة: يبدأ التكبير المقيد أدبار الصلوات, إلى آخر أيام التشريق, مع التكبير المطلق الذي بدأ بدخول عشر ذي الحجة.

نسأل الله أن يتقبل منا, ويُبارك في أعمالنا, إنه على كل شيء قدير.

اللَّهُمَّ إنَّ بَابَك لَمْ يَزَلْ مَفْتُوحًا لِلسَّائِلِينَ, وَرِفْدَك مَا بَرِحَ مَبْذُولًا لِلْوَافِدِينَ, مَنْ عَوَّدْته مَسْأَلَتَك وَحْدَك, لَمْ يَسْأَلْ أَحَدًا سِوَاك, وَمَنْ مَنَحْته منائح رِفْدِك, لَمْ يَفِدْ عَلَى غَيْرِك, وَلَمْ يَحْتَمِ إلَّا بِحِمَاك.
أَنْتَ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُك, وَلَا مَعْبُودَ سِوَاك, عَزَّ جَارُك, وَجَلَّ ثَنَاؤُك, وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُك, وَعَظُمَ بَلَاؤُك, وَلَا إلَهَ غَيْرُك , وَلَمْ تَزَلْ سُنَّتُك فِي خَلْقِك جَارِيَةً بِإكرامِ أَوْلِيَائِك وَأَحْبَابِك, تَفَضُّلًا مِنْك عَلَيْهِمْ, وَإِحْسَانًا مِنْ لَدُنْك إلَيْهِمْ؛ لِيَزْدَادُوا لَك فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ ذِكْرًا, وَلِإِنْعَامِك فِي جَمِيعِ التَّقَلُّبَاتِ شُكْرًا.

فاللهم اجعلنا من عبادِك الْمُخلَصين, وأوليائك المتقين, يا رب العالمين.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

What is 3 + 8 ?
Please leave these two fields as-is:
فضلا.. أكتب ناتج العملية الحسابية.