رسالة أدبية إلى صديقي وقريبي إمام وخطيب هذا الجامع

رسالة أدبية إلى صديقي وقريبي إمام وخطيب هذا الجامع

هذه رسالة كتبتها إلى صاحبي ورفيق دربي إمام وخطيب هذا الجامع ، وقد كنت رأيتُه متغيّر الحال في عيد الأضحى فظننتُ أن الحُزن قد طرق قلبه ، فأحببتُ أن أُداعبه بهذه الرسالة ، وكان لنا وقتٌ نخرج فيه إلى البريّة بصحبة كُتبنا نتناقش فيها ..فكتبتُ إليه:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن الصديق كما قيل مرآة صديقه ، وكل قرينٍ بالمقارَنِ يقتدي ، والصديق الحقّ يرى صديقه كأنه سَفْرٌ مفتوح أمامه ، يعلم بغضبه قبل أن يُبديه ، وبفرحه قبل أن يُنبيه ، وبألمه قبل أن يُظهره ، وبخاطر نفسه قبل أن يَنشرَه ، ومن خَفي عنه ما يمر به صديقُه من النكبات وهو يجالسُه فصداقتهُ زائفه ، ومحبته ناقصة ، وما هي إلا كاذبة خاطئة ، فالأرواحُ أجنادٌ مُجنّدة ، ما تعارف منها ائْتَلَف ، وما تنافر منها اختلفْ ، فإذا ائتلفت واختلطت أصبحت كنفس واحدة تَفْهَمُ المراد قبل الكلام ، وتشعرُ بالألم قبل الحديث عن الآلام ، وقد رأيتُك بالأمس في مصلى العيد وفي الاستراحة متغيرُ البال متبدلُ الحال ، وأظن أن الهموم قد هجمت عليك كعادتها في الأعياد ، والطوارقُ قد نازعتك منازعةَ الخَصْم لخصمِهِ ، فكم لك من مآثرَ في إزاحتها عَنْ مَنْ ابتُليَ بها ، فكيف تَتركُكَ تُهاجمها وأنت آمن ، وكيف تَفِرُّ منك ولا تَكِرّ ، فهي من بنات الدنيا التي لا يدوم سُرورُها ، ولا يُضمن من التَّكدير نعيمُها ، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، واستيقِن رعاكَ اللهُ أن هذه الهموم تكفيرٌ للسيئات ، ورِفْعَةٌ في الدرجات ، وعلوٌ في الحياة وفي الممات… كما قيل:ـ

أسَأتَ إلى النوائب فاستَثَارتْ *** فأنت قتيلُ ثأرِ النائباتِ

فهذه كلماتٌ أنثُرها عليك ، وآمالٌ أصرِفها إليك ، ونحنُ كما علِمتَ تِرْبَيْ صُحبةٍ ، وحَلِيفَيْ صَبْوةٍ ، قد تخلّينا عن الأنسابِ ، وانتسبنا إلى الآداب ، فإذا طمِع بأحدنا طارقٌ ، واستوحشتِ النفسُ والصدرُ ضائقٌ ، قصدنا أرضَنا المقْفِرَة ، ورمالَها المنتشرة ، فنبعدُ عن الأنام ، ونترنّم ترنّم الحمام ، ونتقاتل مع جيوش الهموم والآلام ، وإن كانت كثيرةً إلا أن الحقَّ لا يضره قلةُ أهله ، والباطل لا ينفعه كثرةُ جمعه ، فإن العاقبةَ ينالهُا المتقون ، وحزبُ الله هم الغالبون .

وكلانا يأنَس بكتابٍ يجتلي منه وجوه البدور ، وجواهرَ النحور ، ودرر الثغور ، ونجني به ثمر السرور، ونرتع منه في رياض العلوم ، ما بين منثور ومنظوم .

فماذا حلَّ بنا ، حتى غزانا بجيشه الجَفاء ! وناءَ عنّا اللقاء :

بِنتُم وبِنّا([1]) فما ابتلّت جوانِحُنا *** شوقاً إليكم وما جفّت مآقينا

إنّ الزمان الذي ما زال يُضحكنا*** أُنْساً بِقرْبِكُمُ قد عاد يُبكينا

 فكلٌّ منا له شُغلٌ يُشغلُه ، وعملٌ يُلهيه فيُبعده ، واعلم زادك الله ديناً وتقى ، أن حالي بَقِيَت بعدك مريضة ، وعينُ آمالي مغضوضة ، وأيدي أُنسي مقبوضة ، وجيوش صبري عنك مفضوضة ، فكلما فتحتُ كتاباً أتسلى به أظلمَ نورُه ، وطُمِسَ ضَوؤهُ ، وكَسَفَ ضَياؤهُ ، وبَطَل بَهاؤه ، فقلبي مشوقٌ إليك ، ونفسي ذاتُ حسرةٍ عليك ، يشوقُها إليك كثرةُ محاسِنك ، ويُعظّم حنينَها إليك حلاوةُ شمائلك ، ويطيلُ ظمأها لذيذُ عُشرتك ، فلستُ أخْلَدُ إلى لذة وإن طابت ، ولا أركن إلى غِبطة وإن دامت …

وكما علمتَ أن المودة إذا طالت استحكم غَرسُها ، وتمهّد أُسّها([2]) . فلا مرحباً بعيشٍ أَنفردُ به عنك ، ويومٍ لا أكتحل فيه بك ، يَعِزُّ عليَّ أن ينوبَ في اتصالي بكَ قلمي دون قدمي ، وخَطّي دون خَطْوي . ولا أجدُ في خاطري إلا أن أقول: كلمةُ الأدب جَمَعتْنا ، ولُحمةُ العلم نَظَمتْنا ، فالأدبُ أقربُ الأنساب ، والعلم أوكدُ الأسباب .

وأعتذر عن الإطالة ، فكلما كَفَفْتُ يَدِي عن الكتابة ، رفضتِ الاستجابة ، فلا تجدُ في نفسك عليّ حرجٌ ، فإنما اشتقتُ إليك ، فأحببت أن أكتب شيءً ، لعلّه يروقُ لك ويليقُ بك …

والسلام خير ختام ،،،

أخوك / بدر محمد الطيار .

11/12/1433هـ


([1]) من البَيْن: وهو الفراق .

([2]) الأس : جمع أساس .

3 تعليقات

  1. أحمد ناصر الطيار says:

    بارك الله فيك أخي أبا محمد, فقد عهدك دوما صديقاً وفيا, وصاحباً مخلصاً, ولعلي أنشر جوابي لك حينها كما نشرت خطابك المسدد الموفق…
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله, فاتحِ الأغلاقِ, ومانحِ الأعلاق ، وأصلي وأسلم على مَنْ غُصَّت بمبعثه حناجر الشَّانئين, وانقاد لسنَّته من شاء من العالمين. وبعد:
    إلى الصديقِ الأديب الأستاذ بدر بن محمد الطيار.. من صديقك ومحبِّك أحمد بن ناصر الطيار … السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… وبعد:
    أيها الصديق الذي سخَّرك الله تعالى, فأصْلحت – بعد الله- ما بي من خرَق, وآنستني فزال ما بي مِن فَرَق.
    إنَ نظراتك التي تُسيِّرها, وخَطَراتك التي تُرسلها, لهي كالمنظار يسري في بدن مَن يُرسل إليه, فيستكشف وجعه وألمه, وأما أنت فتستكشف عوره وخلله.
    هي نظرة من مقلتيك … وبسمةٌ تَعِدُ الشفاء
    ويضيء يومي عن غدي … وتفر أشباح الشقاء
    فكتب اللّه لك في رسالتك الأجر، وأجزل لك العوض والذّخر.
    فأنت لي سِدادُ ثُلْمَة, وجابرُ رزيّة.
    وسبحان مَن جنَّبك السلاطة والهذَر, والعي والحَصَر, وقلَّ مَنْ سلم منهما وندَر..
    لقد قرأت رسالتك مراراً وتكراراً, وتأملت فصاحتك وبلاغتك, وحقًّا ” إن من البيان لسحرا ” والله الذي لا إله غيره, لقد شعرت بنشوة وقشعريرة عند قراءتي لها, يا لها من عباراتٍ مُوجزة, لكنها تحمل معانٍ عظيمة, ودُرراً ثمينة.
    لو أَرسلها أحدُ المتناحرَيْن لصاحبه لاصْطلحا, ولو أرسلها قيسٌ إلى أبي ليلى لزوجها..
    لو وُضعت على بحرٍ لغيَّرته, أو على جرحٍ مُنْفَتقٍ لَلَئمَتْه..

    أتسمحُ لي أن أُصارحك؟: لم أُصدق أن ما كتبته هي من خالص عباراتك, وما قلته هو من جملةِ مَقالاتك!!, أيستخفُّ بي أبو محمدٍ فيقتبس خطاباً قد كُتب؟, فبحثت في شتّى الكتب, وعجزت وأعياني التعب!!.
    والذي جمعنا على المحبّة, وحبانا من كلِّ نعمة: لو رأيتني وأنا أقرأ رسالتك, وأتأمل فصحاتك, لتعجبت من عجبي, وهالَكَ مِمَّا هالني, لقد اعْتراني شعورٌ بالفخر والغرور, والفرح والسرور, أني صديقٌ لِمن يجاري ببلاغته الخطيب سحبان, وما بينهما إلا كفرسَيْ رهان.
    سبحان الله, ما أعظم فضل الله عليك, فما اكْتسبته ليس هو من جرَّاء ذكائك – وإنْ كنت كذلك-, ولا هو من طول قراءتك واطِّلاعك, وإنما هو مِنْحةٌ ربَّانية, ونعمةٌ إلهية, فاشْكرها على الدوام, فبه تنال التوفيق والتمام..
    لقد نزلت رسالتك عليَّ كما ينزل المطر على الأرض الهامدة, فحركها وأحياها, وجمَّلها وكساها, وغيَّر ملامحها, وحلاهَا..
    لقد كنتَ ولازلت لي قريناً لِفْقاً, وصديقاً وِفْقاً, تستر ما بي من زلل, وتُصلح ما بي من خلل.
    أيها الصديق الصدوق: إنَّ شعوراً ينتابني بكثرة, فيجعلني في قلقٍ وحسرة: ما ذا لو أُخذت من دوني؟ ورحلت عنِّي؟؟
    أسأل الله تعالى أن يُديم جمعنا, ويُثْبت مودتنا, ويُنوِّر دربنا…
    هذا ما عندي, واعذرني وسامحني, على جوابٍ لا يرتقي إلى مقامك, ويستحي من مُجاراة خطابك, وتقف عباراتي أمام عباراتك الفصيحة, ومعانيك البليغة, كما تقف النَّبْتةُ الضعيفة أمام الجبال الشامخة, والأوتادِ الراسخة, فشتَّان بينهما!!.
    والسلام ختمُ الكلام,,,
    أخوك: أحمد بن ناصر الطيار

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

What is 2 + 7 ?
Please leave these two fields as-is:
فضلا.. أكتب ناتج العملية الحسابية.