مجالس أبي المعالي (الحلقة الأولى)

مجالس أبي المعالي (الحلقة الأولى)

مجالس أبي المعالي شمس الدين القالوي:

هذه مجموعة حلقات اخترعتُها لأناقش فيها بعض الموضوعات الأدبية التي يظهر فيها إشكال أو التي لها آراء متعددة بين علماء أهل اللغة ، أُبسِّطها على شكل مجالس يتناقش فيها مجموعة  من العلماء حسب الموضوع المطروح للحوار ، ويُدير هذا الحوار شخصية مُخترعة أسميتُه (شمس الدين القالوي ولقّبتُهُ: بأبي المعالي) فهذه الطريقة تُسهّل على القارئ فهم آراء العلماء في موضوع الحلقة بأسلوب بديع ومبسّط ، وقد حذفت ما شذّ عن الموضوع اختصاراً في المعنى..

الحلقة الأولى

كنتُ قبل سنوات أحضر مجالسَ أبي المعالي شمس الدين القالوي وكان والياً على بلدٍ في شمال الشام ، وكان عالماً بفنون الأدب والشعر ، وكثيرَ المجالسة لأهل العلم في هذه الفنون ، ومحباً لهم ، ومُغدِقاً عليهم أفضاله وأمواله ، فما أرجح عقله ، وما أبين فضله ، وكان له مجلساً بين العشاءين يحضره علماء الأدب واللغة وغيرهم ، وتكثر فيه الفوائد والفرائد ،  فلمّا دخلتُ وسلمتُ عليه أشار إليّ أن أجلس بجانبه . فجلستُ ورأيت ممن حضر لديه في هذا المجلس عالمَ الأدب واللغة والشعر ، صاحبَ (العمدة في الشعر ونقده) أبا علي الحسن بن رشيق القيرواني ، ورأيت أيضاً العالمَ المتفننَ في الأدب والشعر صاحب (نَضْرَة الإغْريض في نُصْرَة القَرِيْض) المظفّر بن الفضل بن يحيى، أبا علي، العلوي الحسيني العراقي.

فافتتح أبو المعالي المجلسَ بحمد الله والثناء عليه ، ثم تطرّق للشعر وذكر محاسنه ، وما قيل فيه من قديم وحديث ، ثم استطرد بالحديث حتى ذكر قول بعضهم في ذمّ الشعر والاشتغال به ومَن استدلّ منهم بقوله تعالى{والشعراء يتّبعهم الغاوون ، ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون ، وأنهم يقولون ما لا يفعلون} فسأل الحاضرين من العلماء ما تقولون في هذا القول؟

فكان أول من تحدّث ابن رشيق القيرواني فقال: إن أذن لي مولاي ، فهذا غلط وسوء تأويل ؛ لأن المقصودين بهذا النص: شعراء المشركين ، الذين تولّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجاء ، ومسّوه بالأذى ، فأما مَن سواهم من المؤمنين ، فغير داخل في شيء من ذلك ، ألا تسمع يا مولاي كيف استثناهم الله عز وجل ونبّه عليهم فقال:{إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا} يريد شعراء النبي الذين كانوا ينتصرون له ، ويجيبون المشركين عنه، كحسان ، وكعب بن مالك ، وعبدالله بن رواحه ، وقال فيهم صلى الله عليه وسلم:(هؤلاء النفر أشدّ على قريش من نضْج النَّبْل)([1])فلو كان حراماً ما اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم شعراءَ يُثيبهم على الشعر ، ويأمرهم بعمله ويسمعه منهم([2]).

فقال أبو المعالي : أحسنتَ والله يا ابن رشيق ، ولعلنا نأخذ رأي صاحبنا المظفّر بن الفضل فهو ذو خبرة ، وله كتابٌ في نصرة القريض فما تقول أيها المظفر قال: صدق ابن رشيق فإنّ المتمسِّكَ بذلكَ المُحْتَجّ به لا عِلْمَ له بمعاني القرآن المجيد، فإن هذه الآية مختصةٌ بشعراء الجاهلية. وقد رُوي عن عِكرمة أنه قال: معنى هذه الآية أنّ شاعرَيْن تَهاجَيا بالجاهلية، فكان مع كلّ واحدٍ منهما فريقٌ من الناس يتّبعُهُ، ويحفظُ عنه ما يختَرِعهُ. ورُوي أيضاً عن الحسنِ في قوله تعالى: (ألمْ تَرَ أنهم في كلّ وادٍ يهيمون) أنه قال: قد رأينا أودِيَتَهم التي كان يهيمونَ فيها مرّةً في مديحٍ ومرّةً في هجاء ، ورُويَ عن ابن مجاهدٍ أنه قال: إنّما يَهيمونَ في كلّ فنٍّ يَفْتَنّونَ فيه من فنونِ الشعرِ.

وقيل في قوله تعالى: (وأنّهم يقولونَ ما لا يَفعلون)، أي يدّعونَ على أنفسهم أنهم قتَلوا وما قتَلوا، وزَنَوْا وما فعلوا، وما شابَه ذلك… وأقوالُ المفسّرينَ في ذلك كثيرةٌ شهيرة. ثم مِنْ جهْلِ المحتجّ على الشُعراء بهذهِ الآية كونهُ لم يعلمْ بمَنْ استُثْني فيها، وتَلا أوَّلها ونسِيَ آخرَها ([3]).

فسأله أبو المعالي : وماذا تقصد بآخرها ؟

قال: أقصد قولُه تعالى: (إلا الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ وذكَروا اللهَ كثيراً وانتصَروا من بعدِ ما ظُلِموا). الذين آمنوا : هُمُ المُخضرمونَ كانوا في الجاهلية وأدركَهُم الإسلامُ فحسُنَ إيمانُهم، ثمّ وصفَهم تعالى بعمَلِ الصالحات ، لما أجابوا مُنادي الرسولِ صلى الله عليه وسلم ، واتّبَعوا سُنّتَهُ القويمةَ ، ووقفوا عندَ أوامرهِ ونواهيهِ، وأثنى عليهم بكثرة ذكرِهم لله تعالى، وذَكَر حُلومَهُم الرزينةَ بقوله: (وانتصَروا من بعدِ ما ظُلِموا). فإنّهم لما هجَتْهُمْ قُريشٌ وهيّجَتْهُم، وبدأتْهُم بالأذى وأحفظَتْهم، استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم، فأذِن لهم في الانتصارِ منهم، فكيفَ تركَ ذكْرَ هؤلاءِ وما قد وصفَهُم اللهُ تعالى به، واحتجّ بذكرِ شعراء الجاهلية، لوْلا العدولُ عن الحقّ والحَيرَة في تلكَ الطُرق. ([4])

ثم صمت الجميع بُرهةً ، فقال أبو المعالي: سمعتُ أيضاً من استدلّ بقوله صلى الله عليه وسلم (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً ،خيرٌ له من أن يمتلئ شعراً)([5]) على ذمّ الشّعر وحفظه وكثرة سماعه، فأشكل عليّ ذلك ، فما تقول يا ابن رشيق؟

قال: هذا الحديث يا مولاي إنما هو فيمَن غلب الشعرُ على قلبه ، وملك نفسه ، حتى شغله عن دينه ، وإقامة فروضه ، ومنعه من ذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن ، وأما غير ذلك ممن يَتَّخذ الشعر أدباً وفكاهة وإقامة مروءة فلا جناح عليه([6]) .

قال أبو المعالي: والله إن هذا الكلام لَحقٌ ، فما اشتغل المرء بشيء أفضل من اشتغاله بذكر ربه ، وما فضّل أحدٌ شيئاً على دينه إلا كان الخُسران نصيبه . ولكن ما معنى الحديث؟

فقال المظفّر : المقصود بـ(القَيْح): المِدّة([7]) لا يُخالطُها دَمٌ . وهذا حديثٌ يشهدُ لنفسِه بأنهُ صلى الله عليه وسلم قصدَ به زماناً مُعَيَّناً، وخصّ به قوماً مُعَيّنينَ، ولم يُجِزْه على الإطلاق؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام سمِعَ الشِّعْرَ في الرّجزِ والقصيد، واستَنْشدَهُ وتمثّلَ به مكسورَ الوزنِ، وفي رِواية: صحيحَ الوزنِ، وأمرَ شعراءَه بهجاء مَنْ هجاهُ، وحثّ عليه ودعا إليه. ولهُ شعراءُ معروفونَ من الأنصار وغيرهِم، ولم يبْقَ أحدٌ من صحابتهِ إلا وقال الشِّعْرَ قليلاً أو كثيراً، وأنشدَ واسْتنشدَ وتمثّل به واحتجّ، وكاتَبَ وراسلَ. وإذا ثبَتَ أنه لقومٍ مخصوصين، وبطَلَ أنه للعمومِ والإطلاقِ، كانَ في تأوُّلهِ ضرْبٌ من التّكَلُّفِ([8]).

فقال أبو المعالي: أصبتَ وعدلتَ ، ولكن لِمَ لا يكون المقصود بالشعر هنا الذي هُجيَ به صلى الله عليه وسلم؟

قال المظفّر: لو أراد بهِ هِجاءَ نفسِه الشريفةِ لصرّحَ بكُفْرِ المُتَلفِّظ به فضلاً عن المتحفِّظِ له المالئِ بطنَه به؛ إذ لا خِلافَ بينَ المسلمين أنّ مَنْ سَبّ رسولَ الله فقد كفَر، والسبُّ جزء من الهَجْو. وإذا بطَلَ ذلك كان المرادُ به ذمَّ من جعلَ دأبَهُ تحفُّظَ الأشعارِ الرقيقةِ، والأهاجي الدقيقةِ حتى شغلَهُ ذلك عن معرفة ما يجبُ عليه من أمر دينه وإصلاحِ دنياه.([9])

قال أبو المعالي: لقد وفّيْتَ المعنى وكَفَيْتَه ، ولكن لو استشهدت بقول مَن سَلف لكان أكثر اطمئناناً وأشد تبيانا .

قال المظفر: نقل عن الإمام أحمدَ بنَ حنبل رحِمَه اللهُ تعالى أنه قال: إنّما يُكْرَه من الشِّعرِ الهجاءُ والرقيقُ الذي يُتَشبَّبُ فيه بالنساء فتَهيجُ له قلوبُ الفتيان. فأما سوى ذلك فما أنفَعهُ([10]).وقال النضْرُ: كيفَ تمتلئُ أجوافُنا – يعني بالشِّعرِ – وفيها القرآنُ والفِقْهُ والحديثُ وغيرُ ذلك. وإنما كان هذا في الجاهلية، فأما اليومَ فلا ([11]).

فقال أبو المعالي: لقد أحسنتم والله ، فقد أزلتم ما حاك في صدري مما سمعته وقرأت عنه فيمن ذم الاشتغال بالشعر وحفظه ، فجزاكم الله عني خيراً …ثم دخل عليه حاجبه يُبلغه بوصول شخصٍ سبق أن طلبه في أمر هامّ ، فاستأذنّا فأذن لنا وخرجنا وقد ظفرنا بكل فائدة ، والتقطنا كل شاردة ،ولم تغب عنا صادرة ولا واردة ،،، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،،،،

11/9/1434هـ


([1]) في الصحيحين

([2]) العمدة

([3]) نضرة الإغريض في نصرة القريض.

([4]) المصدر السابق.

([5]) في الصحيحين.

([6]) العمدة.

([7]) المِدّة: ما اجتمع في الجرح من القيح .

([8]) نضرة الإغريض.

([9]) المصدر السابق .

([10]) المقصود من عبارة الإمام أحمد: أي ما سوى الهجاء والغزل الفاحش ما أنفعَ الشعر وأحسنه.

([11]) المصدر السابق

10 تعليقات

  1. أحمد ناصر الطيار says:

    مجالس موفقة مسددة, وابتكار بديع, تشوق القارئ وتشده, وفقك الله أبا محمد وسددك..

  2. بدر محمد الطيار says:

    جزاك الله عني كل خير يا أبا عمر ،، وأشكرك على مرورك وتعليقك الذي أعتزُّ به ،،

  3. صالح الحمادي ، أبو عادل says:

    ماشاء الله تبارك الله يا أبا محمد على

    هذا العرض المشوق الغير مستغرب

    فأنت من الأباء الذين لا يمل مجلسهم

    وفقك الله أينما كنت و جعلك مباركا

  4. صالح الحمادي ، أبو عادل says:

    الأدباء

  5. بدر محمد الطيار says:

    بارك الله فيك أبا عادل ،، وجزاك الله عني كل خير ..

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

What is 6 + 3 ?
Please leave these two fields as-is:
فضلا.. أكتب ناتج العملية الحسابية.