منهج السلف الصالح في الْفَتْوَى, والردّ على المخالف (2)- والحديث تفجير مسجد في عسير 22/10/1436

منهج السلف الصالح في الْفَتْوَى, والردّ على المخالف (2)- والحديث تفجير مسجد في عسير 22/10/1436

لسماع المادة الصوتية اضغط هنا

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وسلم تسليما كثيراً.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله،واعلموا أنّ تاريخَ الصحابة والسلف الصالح مشرقٌ ناصع, في تعاملهم وأخلاقهم وفتوحاتِهم, ومن أجَلِّ معالم عظمتهم: سلوكهم أحسن المسالك في الفتوى.
فقد كانوا يتجنبون القول على الله بلا علم, ولا يتردَّدون بقول: لا أعلم عند عدم معرفتهم بالحكم.
فهذا القاسم بن محمد رحمه الله يُسأل بمنى فيقول: لا أدري, لا أعلم, فلما أكثروا عليه, قال: والله ما نعلم كل ما تسألون عنه, ولو علمنا ما كتمناكم, ولا حل لنا أن نكتمكم.
وكانوا يتحرجون من إطلاق الحلال والحرام إلا فيما فيه نصٌّ صريحٌ.
نعم! هكذا كانوا رحمهم الله تعالى, لا يجترئون على تحريم ما أحلّه الله ورسولُه, ولا على تحليل ما حرمه الله ورسولُه.
قال الإمام مالك رحمه الله: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا, ولا أدركت أحدًا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام, وما كانوا يجترئون على ذلك, وإنما كانوا يقولون نكره كذا, ونرى هذا حسنا, فينبغي هذا, ولا نرى هذا, ولا يقولون حلال ولا حرام, أما سمعت قول الله تعالى {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} الحلال ما أحله الله ورسوله, والحرام ما حرمه الله ورسوله.

وقال العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله في قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ}: أَنْكَرَ اللهَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِرَأْيِهِ وَفَهْمِهِ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ ، وَسَمَّاهُ كَذَّابًا وَسَمَّى اتِّبَاعَهُ شِرْكًا ، وَصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى النَّاسِ شَيْئًا مِمَّا أَحَلَّ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ فِي حَدِيثِ الثَّوْمِ وَالْبَصَلِ وَغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا أَحَلَّ اللهُ هَذَيْنِ بِالنُّصُوصِ الْعَامَّةِ كَقَوْلِهِ : {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} وَجَعَلَهُ الْعُلَمَاءُ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ فَقَالُوا : الْأَصْلُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ أَوِ الْمَنَافِعِ الْإِبَاحَةُ. ا.ه
و كانوا يتدافعون الفتوى, ويكرهون التصدر لها, إلا إذا أُلْجئوا إليها.
قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: أَدْرَكْتُ مِائَةً وَعِشْرِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَيَرُدَّهَا هَذَا إلَى هَذَا وَهَذَا إلَى هَذَا حَتَّى تَرْجِعَ إلَى الْأَوَّلِ , وَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ أَوْ يُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ إلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ.
وقال الشاطبي رحمه الله: العالم إذا لم يشهد له العلماء، فهو في الحكم باق على الأصل من عدم العلم، حتى يشهد فيه غيره، ويعلم هو من نفسه ما شهد له به، وإلا فهو على يقين من عدم العلم، أو على شك، فاختيار الإقدام في هاتين الحالتين على الإحجام لا يكون إلا باتباع الهوى، إذ كان ينبغي له أن يستفتي في نفسه غيرَه ولم يفعل، وكان من حقه أن لا يقدم إلا أن يُقدِمه غيره ولم يفعل هذا.

وكانوا لا يُفتون عن شيءٍ لم يقع, بل يُؤجلون الفتوى حتى يقع ما سُئلوا عنه.
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه سُئل عَنْ رَجُلٍ أَدْرَكَهُ رَمَضَانَانِ فَقَالَ للسَّائل: أَكَانَ، أَوْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ بَعْدُ, قَالَ: اتْرُكْ بَلِيَّتَهُ حتَّى تَنْزِلَ.
وكانوا يُمسكون عن الإجابة إن كان عقْل السائلِ لا يحتمل الجواب عمَّا سأل عنه, وخافوا أن يكون الجوابُ فتنةً له.
وهذا من فقههم رضي الله عنهم, وعدم سرعتهم في إفتاء السائل حتى يتحققوا أنَّ فتواهم لا تَضُرُّه.
قال الإمام البخاري رحمه الله: بَابُ مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، كَرَاهِيَةَ أَنْ لاَ يَفْهَمُوا. ثم روى بسنده عن عَلِيٍّ رضي الله عنه أنه قال: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ, أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟».
وكان إذا أفتى أحدُهم بفتوى يُنكرونها أو يرون خطأها, تثبتوا منه وسألوه بأدبٍ واحترام.
فهذا عُرْوَةُ بن الزبير رحمه الله يقول: حَجَّ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْزِعُ العِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ العُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ، يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ»، فَحَدَّثْتُ بِهِ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو حَجَّ بَعْدُ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي انْطَلِقْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَاسْتَثْبِتْ لِي مِنْهُ الَّذِي حَدَّثْتَنِي عَنْهُ، فَجِئْتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَحَدَّثَنِي بِهِ كَنَحْوِ مَا حَدَّثَنِي، فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتُهَا فَعَجِبَتْ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ حَفِظَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو. رواه البخاري
قال الحافظ رحمه الله: فِيهِ التَّثَبُّت فِيمَا يُحَدِّث بِهِ الْمُحَدِّث إِذَا قَامَتْ قَرِينَة الذُّهُول. ا.ه
هكذا يتعاملُ الصحابةُ مع بعضهم, بأدبٍ وتواضعٍ, وأُسلوبٍ لطيفٍ في النقاش والسؤال, وهكذا ينبغي أنْ يتعامل بعضُنا مع بعض, وخاضةً حينما نُعارض مَن هو أكبر منَّا سنًّا أو قدرًا.
فقد تعلَّمنا منهم رضي الله عنهم أدب التعامل مع مَن أفتى بفتوى نجهلها أو نجد أنفسنا تُنكرها.
وحال بعضُ المفتين وطلاب العلم أنهم يُبادرون بالردود, أو بالقدح بالفتوى دون أنْ يُكلفوا أنفسهم التثبت من صاحب الفتوى.

نسأل الله تعالى أنْ يُفهمنا ويُوفقنا, إنه سميعٌ قريبٌ مُجيب.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي منَّ علينا بشريعته الغرَّاء، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، قضى بأنَّ العدلَ قامت به الأرضُ والسماء, وحرَّم الغلوَّ والتشدُّد والجفاء, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ, وَسَلَّمَ أَفْضَلَ الصَّلاَةِ وَالتَّسْلِيمِ.
أما بعد: معاشر المسلمين: لقد خرجت علينا دولةُ الخلافةِ المزعومةِ, بِبَيانٍ تبنّتْ فيه تفجير مسجدٍ من مساجد أهل السنة, في هذه البلاد الْمُباركة.
فيا لله يا أحفاد الخوارج, كيف تطيب أنفُسُكم بإراقة دماء المصلين, وتفجير بيوت الله على الراكعين والساجدين, كيف تستبيحون بيوتَ الله تعالى؟
ثبت في الصحيحين عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: وُجِدَتِ امْرَأَةٌ كافرةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «فَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ». متفق عليه
فلا إله إلا الله, يغضبُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لامْرَأَةٍ كافرةٍ قُتلت في ساحات الحرب! وقد تكون ساعدتهم بالمداواة ونحوها, ومع ذلك ينهى عن قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
فأين هذا من أُناسٍ يذبحون المسلمين المصلين في بيتٍ من بيوت الله تعالى.
وهذا نبيّ الله موسى عليه السلام, يقتلُ قبطيًّا كافراً مشركاً بالله العظيم، ولم يكن قتلُه له عن قصدٍ منه, ومع ذلك جعل قتلَه من الشيطان فقال: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}, ثم أعلن توبَتَه وندَمَهُ فقَالَ: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي}.
بل ثبت في الصحيحين في حديث الشفاعة الكبرى يوم القيامة, أنّ الناس يأتون إليه لِيشفع لهم عند ربّهم, فيمتنع من ذلك ويقول: إِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي.
فكيف بمن يستحلّ قتل نفسِه, لأجل قتلِ عشرات النفوس البريئة المسلمة المصليَّة؟
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى, وهو يتحدّث عن الخوارج وكأنه يتحدّث عن أحفادِهم الدواعش: “الخوارج أجرأ على السيف والقتال”.
نعم, هم أجرأ أهل الأرض على سفك الدماءِ.
وقال عنهم: “الخوارج باينوا جميع المذاهب فيما اختصوا به من التكفير بالذنوب”.
وهكذا أتباعُ هذا التنظيم, شذُّوا عن جميع المذاهب في أفكارهم ومُعتقداتهم.
وقال عنهم: “يتخذون لهم دارًا غير دار الجماعة”.
وهذا ما قاموا به, حيث أسّسوا وَطَنًا خاصًّا بهم, انتزعوه من تحت أقدام المسلمين في العراق والشام.
وقال كذلك: “الأمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم, وإنما يتنازعون في تكفيرهم”.
وهكذا اتفق عقلاءُ وعلماءُ الأُمّةِ على ذم تنظيم الدولةِ.
وقال أيضًا: “الخوارج يبتدعون أقوالا يجعلونها واجبةً في الدين, ويكفرون من خالفها ويستحلون دمه”.
نعم, لقد رأينا الدواعش ينهجون نفس هذا النهج, والأمثلة في ذلك كثيرةٌ, يكفي منها البيانُ الرسميُّ الذي أصدره تنظيم الدولة, الذي ألقاه المتحدث الرسميُّ لتنظيم الدولة أبو محمد العدناني, وجاء فيه:
(فإنك بقتال الدولة الإسلامية تقع بالكفر، من حيث تدري أو لا تدري).
انظروا كيف ابتدعوا هذه البدعة الشنيعة, وأحدثوا ناقضًا جديدًا من نواقض الإسلام, وهو مُقاتلة تنظيم الدولة. فكل من حاربهم ولو دفاعًا عن النفس فهو كافر.

فاللهم عليك بالخوارج المارقين, ومن عاونهم من الروافض المشركين, إنك على كل شيءٍ قدير.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

What is 4 + 8 ?
Please leave these two fields as-is:
فضلا.. أكتب ناتج العملية الحسابية.