نوعٌ غريبٌ من الغرور, قد يكون فيك وأنت لا تشعر.

نوعٌ غريبٌ من الغرور, قد يكون فيك وأنت لا تشعر.

بسم الله, والحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله وبعد,,
إنَّ الغرور بمفهومه العام: داءٌ عُضال, ومرضٌ قتَّال, ولكنه مع ذلك, قد يسلم منه الكثير من الناس, وذلك لبشاعته ونفرة النفوس منه, ووضوحه أيضاً..
لكن هناكٌ نوعٌ من الغرور قلَّ من يسلم منه, وندر من ينجو من تبعاته, حيث يُعبِّر عنه بعض بَعْض الْأَكَابِرِ فيما نقله عنه الحافظ رحمه الله : مَنْ شَغَلَهُ الْفَرْضُ عَنْ النَّفْلِ فَهُوَ مَعْذُورٌ, وَمَنْ شَغَلَهُ النَّفْلُ عَنْ الْفَرْضِ فَهُوَ مَغْرُورٌ. ا.هــ الفتح 11/417
ومثال ذلك من يشتغل من الأئمة والمؤذنين في رمضان في القيام بعملهم ومهمَّتهم, وخدمة بيوت وعباد الله، عن أداء العمرة, فهذا معذور, وإنْ كان العكس فهو مغرور.
ومن ذلك أيضاً: أنْ يتشاغل طالب العلم والداعية بتربية أولاده تربيةً دينيةً جادة, فيقرأ الكتب التي تعينه على ذلك, ويحضر دوراتٍ لأجلها, فيتشاغل عن تحصيل بعض فنون العلم التي يسعه الاستغناء عنه, وعن الانشغال بالدعوة والحلقات ونحوها: فهذا معذور, وإنْ كان العكس فهو مغرور.
ومن ذلك أيضاً: أنْ يتشاغل طالب العلم بالقرآن حفظاً وتدبراً وتفسيراً وعملاً عن تحصيل فروع العلم وجزئيَّاته: فهذا معذور, وإنْ كان العكس فهو مغرور.
ومن ذلك أيضاً: أنْ يتشاغل العالم وطالب والعلم والداعية بإصلاح قلبه وسريرته, والعناية بإخلاصه وتوكله وعبادته لربه, والدعوة إلى دينه وشرعه, وإلقاء الدروس والمحاضرات, والجولات الدعوية عن تحصيل فروع العلم وجزئيَّاته, التي ربَّما لا يحتاجها في عمره ولا مرةً واحدة: فهذا معذور, وإنْ كان العكس فهو مغرور.
قال ابن قدامة رحمه اله : فأما علم المعاملة وهو علم أحوال القلب، كالخوف، والرجاء، والرضى، والصدق، والإخلاص وغير ذلك، فهذا العلم ارتفع به كبار العلماء، وبتحقيقه اشتهرت أذكارهم، كسفيان ، وأبى حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
وإنما انحطت رتبة الْمُسمَّيْن بالفقهاء والعلماء عن تلك المقامات، لتشاغلهم بصورة العلم من غير أخذٍ على النفس أن تبلغ إلى حقائقه وتعمل بخفاياه.
وأنت تجد الفقيه يتكلم في الظِّهار، واللِّعان، والسبع، والرمي، ويفرع التفريعات التي تمضى الدهور فيها ولا يحتاج إلى مسألة منها، ولا يتكلم في الإخلاص، ولا يحذر من الرياء، وهذا عليه فرض عين، لأن في إهماله هلاكه، والأول فرض كفاية, ولو أنه سئل عن علة ترك المناقشة للنفس في الإخلاص والرياء لم يكن له جواب, ولو سئل عن علة تشاغله بمسائل اللعان والرمي، لقال : هذا فرض كفاية، ولقد صدق، ولكن خفي عليه أن الحساب فرض كفاية أيضاً، فهلا تشاغل به، وإنما تبهرج عليه النفس، لأن مقصودها من الرياء والسمعة يحصل بالمناظرة، لا بالحساب!. منهاج القاصدين 1/8
فماذا نقول لحال الكثير منَّا, وقد انطبق عليه كلامه تماماً, نسأل الله أنْ يرزقنا العلم النافع..

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

What is 9 + 5 ?
Please leave these two fields as-is:
فضلا.. أكتب ناتج العملية الحسابية.